سورية وفرصة الدور الإقليمي...د.أحمد الدرزي

 

تستمرُّ التهديداتُ الوجوديّةُ التي تتعرّض لها سورية بالتفاقم نتيجة الموقف الأميركيّ-الإسرائيليّ المتشدّد بعد الفشل الكبير في إسقاط دمشق، وتعذُّر تحويل سورية إلى النمط الليبي وديمومة الصراعات فيها.

هذا، ورغم تحقيق إنجازات فعليّة في أراضٍ واسعة من المساحة الإجماليّة لسوريّة، بفعل العمل المشترك لكلٍّ من سورية وروسيا وإيران وحزب الله، فإنَّ هناك جملة من التهديدات القائمة والمستمرة على كيانية الدولة وبقائها، تتمثل في خروج مناطق واسعة على سيطرة دمشق في إدلب وعفرين وجرابلس ومناطق شرق الفرات، وهي مناطق ذات حساسية معيّنة؛ ذلك أنَّ المعادلات الدولية والإقليمية تتداخل مع هذه المناطق بطريقة شديدة التعقيد.

كما أنّه إضافةً للضغوط المتصاعدة بسبب الحصارِ الاقتصاديِّ، فإنَّ التهديدات العسكريّة لم تتوقف، إذ يشكل فتح طريق دمشق-بغداد-طهران قلقاً عميقاً لكلٍّ من الولايات المتحدة و"إسرائيل" والمحور السعودي-الإماراتي-المصري، وهذا ما قد يدفع بعمليّة عسكريّة لهذه الدول للسيطرة على المناطق الحدودية بين البلدين، ووصل مناطق البوكمال بالتنف بعمق عشرات الكيلومترات لتصل إلى حدود تدمر.
وهذا المشروع الذي يتم العمل عليه، دفع تركيا للتفكير بالتعاطي مع الكارثة السورية من منطق مختلف، بمعنى: أنَّ سورية التي كانت تشكل فرصة لها لتحقيق طموحاتها الإقليمية التاريخية تحولت لتهديد وجوديّ لها، وينبغي التعامل معها من منظور مختلف. وقد أدركت نتيجة جملة من المؤشرات الداخلية والخارجية أنّها مستهدفة مثلها مثل بقية دول المنطقة بالتفتيت والاستنزاف، وظهر ذلك خارجياً بتآكل ما أنجزته طوال سبعة عشر عاماً في مناطق واسعة، إذ يتم استهداف نفوذها ووجودها في كلٍّ من السودان وليبيا، ومحاصرة قطر، ومشروع شرق الفرات الذي يشكل العامل الأخطر لها، عدا عن وجود الولايات المتحدة مع المحور السعودي-الإماراتي-المصري في تلك المنطقة.
دفعت هذه التهديدات المشتركة لكل من إيران وتركيا إلى تغيير النّظرة التركية، وطرح مسألة تعاون إيران وتركيا لحلِّ أزمات الشرق الأوسط، وهي في الواقع دعوة لشكل من التحالف لمواجهة التهديدات المشتركة لكلتا الدولتين الإقليميتين الكبيرتين من قبل المحور الإقليمي الآخر الذي لا يخفي قلقه وطموحاته حول مستقبل المنطقة، وطبيعة الأدوار الإقليمية لكل منها.
أين دمشق من كل هذا؟ 
تدرك دمشقُ أنَّ دورها الإقليميّ قد تآكل إلى حدٍّ كبير بفعل الحرب المدمرة منذ ثماني سنوات، والعقوبات الاقتصادية الشديدة عليها، وتدرك في الوقت نفسه أن استرجاع هذا الدور هو الضامن الأساس لاستعادة كامل الأراضي خارج السيطرة، وقرارها السيادي، إضافةً إلى أن يكون لها اليد العليا بأيّ حلّ سياسيٍّ قادم، سيكون العنوان الأساس للخروج من الكارثة. من هنا تأتي الفرصة الكبيرة التي تلوح في الأفق، وتحتاج منها إلى أن تعزّز أوراقها الداخلية والخارجية، إذ يجب أن تستدعي مطلب الدّفاع عن مشروع العمق العراقي-الإيراني، ومنع قوى التّحالف من السيطرة على الحدود العراقية السورية، كما تحتاج لعودة الثروات النفطيّة والغازيّة شرقَ الفرات، لإطلاق عجلة الاقتصاد السوريّ وتأمين احتياجات التدفئة، ما يطرح ضرورة إعادة السيطرة على كل من إدلب وشرق الفرات بحسبانهما السلّة الغذائية الأساسية لسورية، بالإضافة لبقية المناطق في عفرين وجرابلس.
وتعرف دمشق الآن أنَّ الفرصةَ سانحةٌ أكثر من أي وقت مضى لاستعادة الدّور الإقليمي، وبخاصّة في ظلِّ الصراع الكبير بين المحور التركي-القطري والمحور السعودي-الإماراتي-المصري الذي يتقدم في كل المناطق ليحاصر تركيا، وأصبح موجوداً على الحدود الجنوبية لتركيا في مناطق شرق الفرات، وهذا المحور بحاجة لاصطفاف دمشق معه لمواجهة تركيا التي تشكل الخطر الأكبر على وجود أنظمة هذه الدول.
تتنوَّعُ الفرصُ أمام دمشق الآن أكثر من أيِّ وقتٍ سابقٍ، رغم التهديدات الكبيرة، وهي لا يمكنها أن تذهب مع المحور الثاني، لإدراكها اليقينيّ للدور الإسرائيلي الذي يتخفى خلفه وله مصلحة واسعة وعميقة بتفكيك كلٍّ من الدول المحيطة به مباشرةً والدول الإقليمية الكبيرة التي يمكنها أن تهدد الدّور الوظيفي الحافظ له، ولكن مجرد انفتاح هذا المحور على دمشق وإرسال الرسائل المغرية لها عبر الوسطاء الروس، يشكل عاملَ ضغطٍ وتهديدٍ على الأتراك من جهة، وعلى مناطق شرق الفرات من جهة ثانية، وتستطيع سورية الآن في هذا الموقع أن تكون حاجة ضرورية لتركيا التي تخشى من اكتمال حصارها جنوباً، وحاجة ماسة لشرق الفرات للتعاطي مع دمشق وفق أولويات الخروج من التهديدات الوجودية، وربّما يتوفر لدمشق الآن فرصة للتعاطي مع كلِّ ملفٍ من الملفات الشائكة بطريقة مختلفة، فهي تستطيع تأمين الوجود الشّرعي الدّولي لمناطق شرق الفرات تحت كنف الدولة السورية، باعتماد صيغة سياسية قائمة على اللامركزية الإدارية والإدارة المحلية الحقيقية الموسّعة الصلاحيات، وهي بهذا الخيار –وهو الخيار الأفضل– تكون قد حلت مشكلة سياديّة وسياسيّة واقتصادية كبيرة، وتغلق ملف الهواجس التركية من الحدود الجنوبية، بما يتيحُ التفاهم والضغط على تركيا في الملفات الأُخرى.
وإذا لم تستطع دمشق إنجاز هذا الملف بما يضمن مصلحتها ومصلحة السوريين الكُرد، فإن التعاون مع تركيا وإيران سيكون الخيار الثاني لها –وهو خيار مؤلم– وهذا هو الأمر المرجح الذي ستقوم بموجبه دمشق وطهران وأنقرة بمحاصرة هذه المنطقة حصاراً كاملاً، والتوجه لعمل عسكري استباقي في مناطق شرق دير الزُّور لاسترداد حقول النفط والغاز، ومنع قوات التحالف الدوليّ من قطع الاتصال بين العراق وسورية، وتستطيع دمشق في هذه الحالة التفاهم مع أنقرة –التي تدعو الآن لإيقاف الحرب في سورية المهدّدة لها– حول بقيّة الملفات في إدلب وعفرين وجرابلس لإنهاء احتلالها لها.
ربما تكون زيارة وزير الخارجية الإيرانيّ محمد جواد ظريف الأخيرة لكل من دمشق وأنقرة، ونقل الرسائل بينهما خير تعبير عن تحولات المشهد الإقليميّ، والسعي لعودة العلاقات بين أنقرة ودمشق إلى سابق عهدها، قد يكون صمَّام أمان لكل من دمشق وطهران وأنقرة، وهذا ممكن إذا وصلت أنقرة لقناعة كاملة بأنَّ سياسات الهيمنة تشكل تهديدات مستمرة لوجودها، وأن هذا الإقليم يحتاج لنظام إقليميٍّ جديدٍ مبنيٍّ على الشراكة والاستقرار والسلم، يغيب عنه الكرد حتى الآن.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات 



عدد المشاهدات:1761( الأربعاء 05:28:59 2019/05/01 SyriaNow)


المصدر:
http://syrianownews.com/index.php?d=36&id=204912

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc