جيفارا الذي بايع داعش وقُتِلَ في ريف إدلب!....بفلم د.عقيل سعيد محفوض

 


في كلِّ عيدٍ عودةٌ واستعادةٌ، بالمعنى الاجتماعيّ والثقافيّ والروحيّ، ويمكن أن ينسحب ذلك على السياسة والحرب أيضاً، ومن ذلك مثلاً أنَّ المعارك التي يخوضها الجيشُ السوريُّ في ريفي حماه وإدلب، هي عَودٌ وتأكيد على العمل لتحرير سوريّة من الإرهاب، واستعادة المزيد من الجغرافيا إلى سلطة الدولة.

غير أنَّ لتلك المعارك نفسها معاني العَود والاستعادة من منظور الجماعات المسلحة وحلفائها في إدلب وما تسيطر عليه من ريف حماه، وهذا باب فيه كلام كثير، إلا أننا نركز على حادثة واحدة وهي مقتل أحد مقاتلي الحركة الجهادية المدعو "عبد الباسط الساروت" الذي أخذت منابر المعارضة تصفه بـ "الشهيد" و"بوصلة الثورة"، و"بلبل الثورة"، و"حارس الثورة"، ومؤخراً "جيفارا" المقتول في إدلب!
الساروت هو لاعب كرة قدم سابق في أحد الأندية المحلية بمدينة حمص، وكان من أوائل المُحرِّضين على الاحتجاجات في المدينة المذكورة، ورفع شعارات وردّد هتافات طائفية، ودعا للاعتداء على الناس والنظام العام والدولة تحت عنوان "الثورة"، وما لبث أن أصبح عضواً في مجموعة جهادية مسلحة، ثم أعلن مع مجموعته البيعة لتنظيم "داعش"؛ وكان الساروت حين مقتله –على يد الجيش السوريّ– متزعمَ مجموعة تعمل تحت لواء يُسمّى "جيش العزة" الموالي لتنظيم القاعدة والمرتبط بالاستخبارات التركية والأمريكية.
مَثَّلَ مقتلُ الساروت مناسبةً للمعارضةِ وحلفائها، لتذكُّر ما كان من خطاب حول "الثورة" في بدايات الأزمة السورية، وما تم هندسته وإنتاجه لها وعنها من صور وألوان وأغنيات ورموز وتغطيات ونصوص وروايات ومقاطع وموسيقى وغناء ومسرح وفنٍّ تشكيلي... إلخ، وكل ذلك أو أكثره أصبح مهجوراً اليوم وفاقداً للمعنى تقريباً، إذ لم تعد كلمة "ثورة" تستخدم في لغة الإعلام والسياسة حول الحدث السوريّ، كما أن صورها وألوانها وعناوينها تم استبدالها –من قبل أصحابها ومهندسيها قبل غيرهم– بصور وألوان وعناوين جديدة هي صور ورايات "داعش" و"الحزب الإسلامي التركستاني" و"جبهة النصرة" وأشباهها.
التذكُّر والاستعادة من قبل جماعات المعارضة المسلحة هما تعبير عن "نوستالجيا" مُحْبَطَة ومُنكسرة أو مُحَطَّمَة، وهي بلا أمل تقريباً، إذ إنّ العودة إلى ما كان هو من المستحيلات أو يكاد، لكنها مع ذلك لا تخلو من طرافة، كيف؟
نعت منابر المعارضة، وكذلك منابر حلفائها، الساروت مستذكرة ألقابه السابقة المشار إليها، محاوِلَةً أن تستعيده رمزاً لأحلام سابقة أيضاً، من دون أن تشير إلى أن الساروت نفسه كان أحد مؤشرات ذلك التحول في الحدث المعارض، من "سياسيٍّ" إلى "مسلح"، ومن "حاضرٍ" إلى "ماضٍ"، وذلك عندما هَجَرَ هو نفسه خطاب ومقولات وعناوين وصور وهتافات "الثورة" متحولاً بالكامل إلى الجهادية الإسلاموية التكفيرية ومبايعاً تنظيم "داعش"، وهذا انتقال ضمن الخطِّ نفسه، من طور إلى آخر، في ظاهرة المعارضة المسلحة في سورية، وإن سكوت الناعين عن ذلك هو أمر مفهوم، لأنَّ ذكرَهُ لا يخدم ذلك العَوْد وتلك الاستعادة اللذين أشرنا إليهما، وإنّما يكشف عن أنّ ما صارت إليه المعارضة صراحة وعياناً، هو ما كانت "تسكت عنه" و"تتنكّر له" في بدايات الأزمة، وبخاصّة في حمص التي كانت الأحداث فيها أكثر دموية وبشاعة من أيّ مكان آخر.
الأكثر طرافة هو وصف "الساروت" بعد مقتله بـ "جيفارا سوريا"! وهذا يضيف للمقتول لقباً جديداً، لكنه لقبٌ قاتل له أيضاً، ذلك أن المبالغة في الوصف والتعبير وإلصاق الألقاب والتسميات على هذا النحو، يحيل إلى أن فواعلَ المعارضة المسلحة وحلفاءَها لم يتوانوا عن توظيف؛ بل تخريب وتشويه الرأسمال الرمزي والقيمي في سورية، وها هم يفعلون الشيء نفسه تقريباً حيال إرنستو تشي جيفارا الثائر الأممي المناهض للهيمنة الأمريكية، مطلقين اسمه صفةً لأحد مقاتلي تنظيم القاعدة وإمارته في إدلب.
سيرة الساروت هذه، وبخاصّة محاولة جعله "رمزاً" أو "أباً" أو "حارساً" لـ "الثورة"، ومقارنته بـ "جيفارا"! تذكرنا بنصٍّ للروائي الإسباني خوان خوسيه ميَّاس، بعنوان "أحمق، ميت، ابن حرام، غير مرئي"، يبدأ النصُّ بالحديث عن "رجل أراد صنع شارب مستعار ليشبه أباه الميت"، وهذا يُذكّر باستعارة واختلاق التشبيهات والتسميات والألقاب؛ يضع الشارب إذا أراد العودة إلى الماضي ليتقوى بذكرى أبيه، ويخلعه عندما تنتفي الحاجة له، وهذا يُذكّر بالتحول في العناوين والصور والشعارات؛ ويَشعر أنه فريد وكوني، وأنَّ العالمَ جزءٌ منه وليس العكس، ما يبرر أن يكون كلُّ شيء في خدمته وتحت يده، بما في ذلك رموز النضال العالمي مثل جيفارا؛ وأي شيء يمكن أن يكون جزءاً من قصة يرويها ويحرك شخوصها وأحداثها كما يشاء، وهذا يُذكّر بالتركيز على سيرة الساروت في بدايات الحرب، والسكوت عن تحوله إلى جهادية "داعش" و"القاعدة".
ما حدث لبطلِ الرواية المذكورة، يشبه في جانبٍ منه ما يحدث لكثير من فواعل "الجماعات المسلحة" و"القتل" و"التكفير" و"الارتزاق" و"الفساد" و"الارتهان للخارج" في هذا البلد المشرقيّ الجميل؛ كلهم في همِّ ألا يكتشف أحد حمقَهم ولا موتَهم، ولا أنهم أولاد حرام!
مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات
 



عدد المشاهدات:3763( الأربعاء 01:13:18 2019/06/12 SyriaNow)


المصدر:
http://syrianownews.com/index.php?d=36&id=206263

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc