الدرر الشامية - سلسلة ( الحكواتي) - المي - الجزء الأول

 

كانت المياه غزيرة في دمشق ومتوفرة أكثر، ربما لقلة عدد الشاربين، مستخدمي الماء، وربما لأنّ المياه كانت أكثر، وأنا أرجّح لأن الهدر كان أقلّ، كانت الينابيع تُخرج ماءً كثيراً لا يتوقف عن العطاء. ولقد شببنا ونحن نرى الماء يخرجُ من صنابير عامة،

 موجودة في الشوارع والحارات نشربُ منها، ويملأ من لا تصل مياه الفيجة إلى بيتهِ جرارهُ منها، كنا نسميها الفيجة، وكان لها ذراعٌ إذا ما رفعناها تدقَ الماء منها، كانت هذه الفيجة منحة الحكومة المجانية للناس، لا يدفعونَ مقابل مائها قليلاً ولا كثيراً، وكان بعضُ الناس يشتري ماء لصنبور خاص به، يضعهُ قربَ بيتهِ أو ي مكانٍ بارزٍ في مقام أحد الأولياء ليشرب منهُ عابرو السبيل، وكان اسمهُ السبيل، وكثيراً ما كان يُنشئهُ شاريهِ بسبب نذرٍ سبق ونذرهُ، وكان بعضهم يُسميهِ باسم أحد أعزائهِ المتوفين، فهذا سبيل فلان بن فلان مثلاً، وكانوا يكتبون على السبيل اسم صاحبهِ وفوقه الآية الكريمة "وسقاهم ربهم شراباً طهوراً" دلالة على قداسة الماء وأهميتها في حياة الناس، فهل هناك أهمية أكثر من كونها تُستخدم ي الضوءِ خمسَ مراتٍ في اليوم الواحد؟.
كان الماء يتدفق من فسقيات مُقامة في الطرقات، ليشرب منها الدواب، كانت الدابة رفيق الرجل في حلّهِ وترحالهِ مثل السيارة في عصرنا، وكان من طبيعة ذاك الزمان توفير العلف للدواب، وبحرات الماء أو الفسقيات لسقايتها، ولم يكن دور بحرات الماء العامة مقتصراً على سقايةِ الدواب، بل كانت لها وظيفة أخرى، كانت ملجأً لعابري السبيل يُنظفون فيها وجوههم ويتبّردون بمائها صيفاً، وكثيرونَ ما كانوا يغسلون مشترياتهم من الخضار والفاكهة فيها، وكانت البحرات جزءً من المسجد، تتوسط صحنه، وبمائها يتوضأ المصلون، وكان في دورات المياه المُلحقة بالمساجد مغاطس مملوءة بالماء، يغتسل فيها الرجال سعياً وراء الطهارة، قبل الوضوء وأداء الصلاة.

الصورة: للرشاش وهو يملا قربته من أحد سبلان دمشق عام 1926م.
باسل نبهان
سورية الآن
 



عدد المشاهدات:2762( الثلاثاء 20:49:03 2018/12/18 SyriaNow)


المصدر:
http://syrianownews.com/index.php?d=37&id=199416

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc