العَـلمَـانيَّـة شعارٌ إيديولوجي أم استجابةٌ حضاريَّة؟....بقم د. كريم أبو حلاوة

 


يستدعي التداولُ الواسع والانتشارُ المتعاظم لمفهوم العلمانية، كما والهجوم عليها ومعاداتها، المتزامنان مع معنى غامض وملتبس، العودةَ إلى أصل المفهوم، في محاولة لرصد مكوناته والتعرف إلى الانعطافات والسيرورات والانقطاعات التي شهدها في مجرى تكوينه وتطوره، وصولاً إلى صيغته الراهنة.


تحميل النص كاملا" 

إنّ مفهوم العلمانية Laïcité, Secularism حاضر في الثقافة الغربية منذ ظهور النصوص الفلسفية الكبرى التي تعود إلى القرن السابع عشر، ولكنه أقدم من ذلك بكثير من حيث الاشتقاق اللغوي: فكلمة laïkos اليونانية تعني الشعب خارج الإكليروس (رجال الدين)؛ أما في يونانية بيزنطة المتأخرة (القرن الثالث عشر)، فهي تسمِّي الحياة المدنية المضبوطة بقواعد الرهبانيات. أما عبارة Secularism الإنكليزية، المستقاة من الكلمة اللاتينية sæculum، فإنها تعني لغويّاً الجيل من الناس؛ وقد أصبحت تشير لاحقاً إلى العالم الزمني في تميُّزه عن العالم الروحي.

ومنذ دخولها اللغةَ العربية، ثار خلافٌ حول نسبتها: فهناك مَن ينسبها إلى "العلم" (عِلمانية، بكسر العين)، في حين ينسبها فريق آخر إلى "العالم" (عَلمانية، بفتحها) – ولكلٍّ من الاتجاهين تفسيره ومبرراته. لن نتوقف عند هذا الخلاف لأن الأكثر أهمية، في نظرنا، هو رصد الخصائص المشتركة للعلمانية عند الاتجاهين. فالبون ليس كبيراً بين الاهتمام بشؤون العالم والاهتمام بشؤون العلم: فالعلم الحديث مرتبط بالعالم لزوماً، إذ هو بطبيعته زماني لا يزعم الخلود، والحقائق العلمية نسبية وقابلة للتصحيح والتجاوز دائماً. ولم يكن العلم الحديث ممكناً إلا مع التحولات الاجتماعية الكبرى التي أفضت إلى انتزاع أمور الدنيا من المؤسسات الدينية التقليدية وإلى تركيزها في أيدي السلطة الزمنية. في حين يربط الرأيُ الآخر بين العَلمانية ومعنى العالم، أي بما يحدث في هذا العالم، على الأرض، في مقابل الأمور الروحانية التي تتعلق بالآخرة. وعليه، فالمعنيان مكمِّل كل منهما للآخر وملازم له– إلا في حال النظر إلى العلم بمعناه الضيق الوضعي  positivist واعتباره "عقيدة": عندئذٍ يحدث استبدالٌ للعقيدة العلمية، في معناها الدوغمائي الضيق، بالعقيدة الدينية، فيكون الفضاء الدلالي والمعرفي لنسبة العَلمانية إلى العالم أرحب وأكثر دقة وضبطاً.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات 


   ( الاثنين 2018/10/01 SyriaNow)  
" ادارة الموقع ليست مسؤولة عن التعليقات الواردة ولا تعبر عن وجهة نظرها "
الرجاء إرسال تعليقك:

الاسم  
التعليق
ادخل الرمز كما هو موجود في الصورة رجاء
Check


المصدر:
http://syrianownews.com/index.php?d=53&id=16911

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc