من أغرب الأمور أن تطبق قوانين فترة الوفرة والسلم في زمن الحرب والحصار والعقوبات، في تناقض فظيع يدفع المواطن والبلد ثمنه، وتجني قلة امتهنت الاستثمار في الأزمات، والأغرب من ذلك تعامل بعض الجهات الرقابية مع الأمر بالطريقة نفسها، فهي لا تعترف بالحرب ولا بالعقوبات ولا بالحصار.
المقصود بما تقدم هو قانون العقود رقم 51 الذي أصبح عند الكثيرين أداة للابتزاز بكلا الاتجاهين، فالدولة تدفع مبالغ مُضاعفة لتنفيذ عقودها عن طريق القطاع الخاص، فأغلب العقود ذهبت للتعاقد بالتراضي وبأسعار مضاعفة، بعد فشل المناقصات في الإعلان الأول والثاني نتيجة تغيير سعر الصرف بنسبة معينة، ولكن ارتفاع الأسعار بنسبته الكبيرة كان ناتجاً عن ابتزاز يمارسه أشخاص في الجهات العامة، الأمر الذي دفع المتعهدين أو المقاولين إلى إضافة نسبة ليست بالقليلة لتعويض التأخير في الصرف، والغرامات التي تفرضها لجان الاستلام والصرف وتوصيات الأجهزة الرقابية والتي جميعها تعتمد تسلسل الخطوات التنفيذية من دون الاعتراف بالحرب أو بالعقوبات أو الحصار.
حفاظاً على الحقوق العامة والخاصة معاً يجب تعديل القانون، بحيث يعطي مرونة للتعامل مع الحالات الطارئة، ويحفظ حقوق الطرفين، فلا يُعقل أن نعاقب المقاول على التأخير في توريد تجهيزات مشمولة بعقوبات قيصر تأخر لأنه اضطر لنقل التجهيزات لعدة دول هرباً من العقوبات قبل أن يسلمها للجهة العامة، ولا يُعقل أن تكون غرامات التأخير على كامل العقد فيما التأخير في بند، ولا يُعقل أن يعاقب المقاول على التأخير فيما تتأخر الجهات العامة مدداً غير محددة لصرف حقوق المقاول من دون أن تتحمل مسؤولية، أيضا ما دور لجان التبرير غير الابتزاز طالما لا يتم اعتبار قراراتها في ضمان حقوق المنفذ، وكذلك لدى الجهات الرقابية؟ لماذا يحتاج صرف فروقات الأسعار إلى كل هذا الابتزاز للمقاول طالما القانون يعطيه الحق بذلك؟ لماذا ترفض جهة عامة مواد مستهلكة وليس تجهيزات تحمل المواصفة نفسها، ولكن من منشأ بلد آخر؟ هل الاعتبار للبلد أم للمواصفة؟
عند إعلان الجهات العامة لحاجتها "تبوس" أيدي المتعهد، وعندما تستلم حاجتها على المتعهد أن "يبوس" أيادي اللجان والأجهزة الرقابية ومجلس الدولة ليحصل على مستحقاته؟
الدولة تدفع أسعاراً مُضاعفة لزوم "تبويس" أيدي وشوارب نامت على تعديل قانون العقود ولجان ابتزاز امتهنت عملها وأجهزة رقابية لا تعترف بالتيمم وضوءً لقيام الصلاة في صحراء جدباء.

صحيفة الثورة