اعتمد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن بيانا مشتركاً بشأن الاستقرار الاستراتيجي يؤكد سعي روسيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى إرساء الأساس لمستقبل الحد من التسلح وتخفيف المخاطر من خلال الحوار.

وقال البيان، الذي صدر عقب قمة الرئيسين في مدينة جنيف السويسرية، “إن روسيا والولايات المتحدة أثبتتا حتى في أوقات التوتر، قدرتهما على إحراز تقدم في تحقيق الأهداف المشتركة لضمان القدرة على التنبؤ في المجال الاستراتيجي، والحد من مخاطر النزاعات المسلحة وخطر الحرب النووية”، وأضاف: “اليوم نجدد تمسكنا بالمبدأ القائل إن الحرب النووية لا يمكن أن يكون فيها منتصر ويجب ألا يتم شنها أبداً”.

وأضاف البيان: “لتحقيق هذه الأهداف، ستطلق روسيا والولايات المتحدة قريباً حوارا ثنائياً شاملاً حول الاستقرار الاستراتيجي، والذي سيكون موضوعياً وحيوياً. من خلال هذا الحوار، نسعى جاهدين لوضع الأساس لإجراءات مستقبلية للحد من التسلح وتخفيف المخاطر”، وأشار إلى أن التمديد المؤخر لمعاهدة “ستارت 3″ بين موسكو وواشنطن يدل على تمسك البلدين بمراقبة الأسلحة النووية”.

وفي مؤتمر صحفي منفرد عقب المحادثات،

بوتين: بارقة أمل ببناء الثقة المتبادلة

وأكد بوتين أنه ليست لديه أوهام عقب قمته مع نظيره الأمريكي لكن هناك بارقة أمل ببناء الثقة المتبادلة ويمكن الاتفاق حول كل القضايا التي تم بحثها.

وقال بوتين، بعد أول قمة له مع بايدن استمرت بشكل عام نحو 4 ساعات واستضافتها مدينة جنيف السويسرية، إن الطرفين بحثا المواضيع التي تم ذكرها سابقاً وهي الاستقرار الاستراتيجي والأمن السيبراني والنزاعات الإقليمية والعلاقات التجارية والتعاون في منطقة القطب الشمالي (أركتيكا).

وأعلن بوتين أنه توصل مع بايدن إلى اتفاق حول إعادة السفيرين الروسي والأمريكي لمكاني عملهما، لكن دون تحديد موعد دقيق لذلك، كما ذكر أنه اتفق مع بايدن على بدء مشاورات دبلوماسية بين وزارتي الخارجية الروسية والأمريكية حول كل اتجاهات التعاون، مبيناً: “هناك ما يجب التحدث عنه، ثمة تراكمات كثيرة، وبدا لي أن كلا الجانبين، بما في ذلك الأمريكي، مصممان على إيجاد حلول”.

وأكد بوتين أن المحادثات تطرقت قليلاً إلى قضية أوكرانيا، موضحاً: “حسبما فهمت، الرئيس بايدن متفق على أن اتفاقات مينسك تمثل أساساً للتسوية شرق أوكرانيا”.

وأضاف في هذا السياق رداً على سؤال أحد الصحفيين: “لدينا التزام واحد حول أوكرانيا وهو الإسهام في تطبيق اتفاقات مينسك لتسوية الأزمة، وفي حال استعداد الطرف الأوكراني سلك هذا السبيل فإننا سنتجه عبره”.

وحول التحركات الأخيرة لروسيا قرب حدود أوكرانيا، أشار بوتين إلى أن روسيا نفذت كل التدريبات في داخل أراضيها. وشدد على أن بلاده لا تنفذ أي تدريبات عسكرية على حدود الولايات المتحدة التي تجري الآن بدورها مناورات قرب حدود روسيا.

وقال: “لهذا السبب يجب أن تكون مبعث قلق لدى روسيا وليس لدى الولايات المتحدة، لكن هذا يمثل أيضاً موضوعاً للنقاش وتحديد المواقف”.

وأشار بوتين إلى أن “روسيا والولايات المتحدة تتحملان مسؤولية خاصة عن الاستقرار الاستراتيجي في العالم باعتبارهما أكبر قوتين نوويتين”، مردفا: “نحن نفهم هذه المسؤولية”. وشدد في هذا السياق على أن بايدن اتخذ قراراً مسؤولاً ومناسباً من حيث التوقيت لتمديد معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية “ستارت 3” لمدة 5 سنوات. وذكر أن الطرفين اتفقا على بدء مشاورات بعد ذلك حول الخطوات التالية التي يمكن اتخاذها بقيادة وزارتي الخارجية للبلدين.

وحول سير القمة قال بوتين إنه لم ألاحظ “أي عدائية” من قبل أي من الطرفين، وتابع: “لقاؤنا جرى في سياق مبدئي ولدينا مواقف وتقديرات مختلفة تماما حول الكثير من القضايا، لكن كلا الطرفين أبديا رغبة في فهم بعضهما بعضاً وإيجاد سبل لتقريب المواقف. الحديث كان بناء بما فيه الكفاية”.

مشاورات حول قضية الهجمات السيبرانية

وأعلن الرئيس الروسي أنه اتفق مع نظيره الأمريكي على بدء مشاورات حول قضية الهجمات السيبرانية. وأشار في هذا السياق استناداً إلى مصادر أمريكية إلى أن أغلب الهجمات السيبرانية في العالم تنفذ من داخل الولايات المتحدة، وتأتي بعدها كندا، ومن ثمن أمريكا اللاتينية وبعدها بريطانيا، بينما روسيا ليست في قائمة الدول الأولى من حيث عدد مثل هذه العمليات. وشدد على أن الولايات المتحدة لم ترد على أي طلب توضيح وجهته روسيا بشأن الهجمات السيبرانية.

وقال بوتين، ردا على سؤال حول “المعارضة غير النظامية في روسيا” وقضية المعارض المعتقل، أليكسي نافالني، إنه كان علم بأنه انتهك القانون الروسي وأن عليه التسجيل لدى الجهات المعنية كشخص محكوم عليه بالسجن مع وقف التنفيذ، لكنه تجاهل هذا المطلب وغادر روسيا. وأشار إلى أن نافالني وصل إلى روسيا من ألمانيا، التي سفر إليها لتلقي العلاج، وهو كان على علم بأنه في قوائم المطلوبين، مبينا: “أعتقد أنه أراد أن يكون معتقلاً”.

وأشار بوتين، استمراراً في تطرقه إلى موضوع “المعارضة غير النظامية”، إلى أن الولايات المتحدة أعلنت روسيا عدوا لها عام 2017 بقرار في هذا الصدد من قبل الكونغرس. وأردف: “أدرجت في القوانين الأمريكية أحكام تنص على أن الولايات المتحدة يجب عليها دعم قواعد ونظم الإدارة الديمقراطية في بلادنا وتأييد منظمات سياسية. لنطرح سؤالاً (منطقياً): إذا كانت روسيا تعتبر عدواً (للولايات المتحدة)، فما هي المنظمات التي ستدعمها الولايات المتحدة في روسيا؟”.

وتابع: “أعتقد أن الحديث لا يدور عن المنظمات التي تعزز (مواقع) الاتحاد الروسي، وإنما عن تلك التي تردعه، وهذا هو هدف أعلنته الولايات المتحدة بوضوح”.

لدينا تفاهم حول الخطوط الحمراء

كما أكد بوتين أنه بحث مع بايدن قضية حقوق الإنسان بمبادرة من الرئيس الأمريكي.

وحول وصف بايدن إياه بالقاتل، قال بوتين: “الكل يعرفون هذه التصريحات، وبعد ذلك الرئيس بايدن اتصل بي، وقدم توضيحات لبعضنا بعضا، وأنا مرتاح بهذه التوضيحات”. وشدد على أن تفاهما لدى روسيا والولايات المتحدة حول مسألة الخطوط الحمراء، مبينا مع ذلك أنه لم يتم مناقشة القضايا خلال المحادثات من هذه الزاوية.

ولفت بوتين إلى أن روسيا مستعدة لرفع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة لكنها بدورها تواصل اتباع سياسة العقوبات. وشدد في هذا السياق على أن  خسائر الولايات المتحدة من العقوبات ليست أقل من خسائر روسيا.

وأكد بوتين أنه يمكن للبلدين التوصل إلى توافقات حول قضية تبادل السجناء.

وخلال رده على أسئلة بشأن سير المحادثات ذكر بوتين أنهما لم يتبادلا مع بايدن دعوات لزيارة روسيا والولايات المتحدة، معتبرا أنه من السابق لأوانه القيام بذلك.

ووصف بوتين بايدن بالسياسي “البناء والمحترف”، ومع ذلك أشار الرئيس الروسي إلى أنه لا توجد لديه “أي أوهام بشكل عام وخاصة بعد اللقاء” مع نظيره الأمريكي.

وأوضح بوتين أنه من الصعب القول في الوقت الراهن ما إذا كان سيحدث تحسن في العلاقات الروسية الأمريكية في وقت قريب. واشار مع ذلك إلى أنه لم يكن هناك ضغط من قبل أي من الطرفين خلال اللقاء مع بايدن، مشددا على أن “المحادثات كانت مثمرة وهناك بارقة أمل” بشأن بناء الثقة المتبادلة بين البلدين.

وأكد بوتين أن روسيا تعمل بالتناسب مع التهديدات المتشكلة، نافيا الادعاءات بأنها تتبع سياسات غير قابلة للتنبؤ وتضر بالاستقرار في العلاقات بين الطرفين، وأضاف: “علينا الاتفاق على قواعد التصرف”. وأضاف: “لدي انطباع بعد لقائنا أنه بإمكاننا التوصل لاتفاقات حول كل القضايا التي بحثناها اليوم”.

بايدن: بوتين لا يسعى لحرب باردة جديدة

بدوره، وصف الرئيس بايدن في مؤتمر صحافي عقب القمة النقاشات التي جمعته مع بوتين بأنها “إيجابية”، لكنه حذّر نظيره الروسي من أن واشنطن لن تتسامح مع أيّ تدخل في الانتخابات الأميركية، وقال إن “نبرة اللقاء برمته، كانت جيدة وايجابية”، مضيفاً “أوضحت أننا لن نتسامح مع محاولات انتهاك سيادتنا الديموقراطية أو زعزعة انتخاباتنا الديموقراطية وسنرّد” في حال حصل ذلك، حسب تعبيره.

وعبر بايدن عن اعتقاده بأن نظيره الروسي لا يسعى لحرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن مثل هذه الحرب لن تصب في مصلحة أحد، وقال: إن هناك “آفاق حقيقية لتحسين العلاقات” مع روسيا، مؤكداً على أهمية عقد لقاء شخصي بينه وبين بوتين.

وأكد بايدن أن علاقات الولايات المتحدة مع روسيا يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ، وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون، مشيرا إلى أنه يجب أن تكون هناك “قواعد أساسية” لتلتزم بها موسكو وواشنطن في العلاقات بينهما.

وذكر بايدن أنه أكد لبوتين خلال المباحثات أن أجندته ليست معادية لروسيا أو أي دولة أخرى، لكن أي رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً “للدفاع عن الديمقراطية”، حسب تعبيره.

وردا على سؤال حول الثقة بينه وبين بوتين، قال بايدن إن الأمر لا يتعلق بالثقة، وإنما بالمصالح. واعتبر أن الخطوات التي تنسبها الولايات المتحدة لروسيا تقلص من سمعة البلاد على الساحة الدولية. وقال عن الرئيس الروسي: “ماذا سيكون لو قمنا بالأنشطة التي يقوم بها هو؟… هذا يضعف مواقع بلاده التي يسعى للحفاظ عليها بشكل حازم لتكون دولة عالمية عظمى”.

وكالات