أثار منشور على مواقع التواصل الاجتماعي في إحدى الصفحات الرسمية التركية، نسبت فيه الوجبة الشهيرة، وهي "الكباب بالكرز"، إلى مدينة غازي عنتاب، سخط المتابعين والمناصرين للمطبخ الحلبي السوري.

التراشق الذي جرى على صفحة بلدية غازي عنتاب بين مناصري المطبخين حول هذه الأكلة التي يتم تقديمها في موسم قطاف فاكهة الكرز، تداعى إلى ما يشبه (الحرب القومية) في ساحات العالم الافتراضي، بأسلحتها التي تم امتشاقها من المطبخين الحلبي السوري والعنتابي التركي.

"التجاذب المطبخي" السوري التركي، أفضى إلى ذهاب المدافعين عن الأصول العربية السورية لـ "الكباب بالكرز"، للتذكير بأصول مدينة عنتاب الواقعة جنوب تركيا، وانتمائها إلى الأراضي السورية قبل أن يهبها المحتلون الفرنسيون آنذاك، إلى تركيا في سياق معاهدة أنقرة عام 1920.

المؤرخ والمحامي، علاء السيد، قال لـ "سبوتنيك" عن تاريخ هذه الوجبة الحلبية، وكيف اكتسبت مذاقها اللذيذ في وقت كانت حضارات العالم تمر عبر طريق الحرير من بوابة حلب، وبحكم مسار القوافل التجارية في غابر الأزمان وعبر مسيرها بأراضي الشهباء، وصولاً إلى الصين وبلاد السند والهند ظلت تلك المدينة بحكم المُبادِل للحضارات تأخذ وتعطي بكل الجوانب، وليس الجانب التجاري إلا واحدا منها، ومعه تأثر المطبخ وترك بصمته أيضاً ببقية مطابخ العالم.

بالمقابل، يرى المؤرخ الحلبي أن "الحديث الذي يطفو بين الفينة والأخرى عن المطابخ ومنه أقاويل ومشادات كلامية تصل لدرجة المناكفات بين رواد التواصل الاجتماعي، ما يسلُب من المطبخ الحلبي أشهى المأكولات وألذها وينسب إلى مطابخ أخرى هو مدعاة للاستهجان، ويقول:

ويشرح المؤرخ السيد، الذي يواظب على توثيق إلكتروني لأرشيف المدينة بأكملها، وبكل ما تحمله من تراث مادي وغير مادي عن معنى كلمة (غازي عنتاب) والتي تعني (عين طاب) في اللغة العربية، أي عين الماء الزلال، وتم تخفيف الطاء في الفترة العثمانية عينتاب وأضيف معها غازي لتصبح غازي عنتاب، وهي بلدة بالأصل حلبية، حسب قوله.

وأضاف: "وهذه البلدة ليس فيها أي نشاط زراعي على مستوى كبير، ومشهورة في فترة العشرينات من القرن الماضي بـ "دبس العنب" لما تحويه من فائض في نوع هذه الفاكهة، إضافة لشهرتها بالفستق الحلبي".

ولعل الريف الواسع لما كان يسمى ولاية حلب مكّنها من إغناء مطبخها بالمقابل بما كان يتقاطر على المدينة من الأرياف بخيرات المنتجات الزراعية والحيوانية على حد سواء، وهذا الأمر شكّل دعامة للمطبخ، ولهذا تتجه أصوات في جهة مقابلة أيضاً لتؤكد أن "الكباب بالكرز" صناعة اشتهرت بها مدينة إدلب، وبالتحديد (ريحاوية) أي من منطقة أريحا، التي تقع في الجنوب الغربي من مدينة إدلب.

وهنا يعزو المؤرخ السيد مردّ نسبة هذه الوجبة لتلك البلدة إلى وجود كميات فائضة من الكرز وبنوعيات مميزة، وكان المزارعون يسوقون بضائعهم إلى مدينة الشهباء فيما كانت أريحا أيضاً تتبع لحلب، واستقى المطبخ الريحاوي كما المطبخ في غازي عنتاب هذه المأكولات من المطبخ الحلبي بلا أدنى شك.

ويلفت في هذا المجال عما يميز أكلة اللحمة بالكرز وما هو سر النكهة التي أضافها الحلبيون لتحمل هذا المذاق اللذيذ فاكتشفوا حموضة معينة بالكرز في موسم معين وأضافوها وطوروها، من خلال ما يطلق على فاكهة كرز "الوشنة" الحلبي الريحاوي من أريحا، وأردف السيد قائلاً:

في غضون ذلك وبعيداً عن السجال الحاصل بين معجبي المطابخ، والردح الحاصل حول حقيقة الأكلة اللذيذة ومن يملك حقوق امتيازها، لابد من معرفة أن المطبخ السوري عموماً والحلبي خاصة، والذي يتميز بترف وغنى كبير بالمأكولات لا يستطيع أن يتحمل أعباء والتكاليف العالية لعدد من المأكولات ولاسيما كباب بالكرز تكلف الوجبة الواحدة ما يقارب 40 ألف ليرة سورية.

من جهة ثانية أخذ الحلبيون يلتفون على الغلاء الفاحش للحم الخاروف، واللحوم الحمراء بالاستعاضة عنها بلحوم دجاج بيضاء، حسب قول أحد المحبين للكباب بالكرز، في حين يرى صاحب أحد المطاعم الشعبية المعروفة بالكباب الحلبي "إبراهيم زمار" أنه "وعلى الرغم من هذا يقبل الحلبيون وضيوف المدينة من عرب وأجانب على طلب هذا الطبق بعد أن سمعوا عنه الكثير، وفي مثل هذا الوقت من العام نجلب الكرز "الوشنة" لصناعة أشهى الأطباق لكونه بات تقليداً وموروثاً شعبياً في مطابخنا الفائضة بالمأكولات الشهية".