مركز الحجر في محافظة حمص يستقبل الأشخاص ممن يعبرون الحدود بطريقةٍ غير شرعية (أ ف ب )


يتشارك أطباء سوريا، التحديات التي تواجه «أبطال» المرحلة الحالية في التصدي لجائحة «كورونا»، مع أطباء العالم. وبرغم أن وضع القطاع الصحي السوري يبدو «تحت السيطرة» حتى الآن، إلا أن القلق من الإصابة هو الهاجس الأكبر لدى الأطباء في المشافي ومراكز العزل والحجر الصحي، ويعود ذلك في بعض الأحيان إلى نقص معدات الوقاية اللازمة، إضافةً إلى ساعات العمل الطويلة التي يقضيها بعضهم في تقديم الخدمات الطبية ولو افتراضياً

بات دور الأطباء في أغلب المشافي السورية موحّداً ــ إلى حدِِّ ما، وخاصة بعدما تم إغلاق العيادات التخصّصية والإبقاء على أقسام الإسعاف فقط، إلى جانب أجنحة العزل المنتشرة في جميع المحافظات. يشرح الطبيب علي نصر عبد الله (طبيب في قسم الإسعاف والعزل ضمن مشفى المجتهد بدمشق)، أن عملهم يقتصر على تشخيص الحالات المشتبه في إصابتها بفيروس «كورونا»، وتحويلها إلى قسم العزل وإرسال المسحات إلى وزارة الصحة لإجراء التحليل الخاص بها. وفي مرحلة تالية «تتم معالجة الحالات التي تثبت إصابتها حسب بروتوكولات المعالجة». وكان طبيب أمراض القلب والأوعية قد تدرّب مع عدد من الأطباء على مهام وآليات العمل ليكون ضمن فرق العزل الموزّعة جغرافياً في الصفوف الأولى لمواجهة الوباء.

التحديات التي تواجه الطبيب عبد الله، كفرد ضمن فريق العزل في العاصمة ــ التي شهدت وريفها، أغلب حالات الإصابات بالفيروس حتى الآن، باستثناء إصابة سُجّلت في درعا ــ تتجسد بنقص أدوات الحماية التي يحتاجها الكادر الطبي لوقاية نفسه من الإصابة، ويُرجِع ذلك بدرجة كبيرة إلى العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا التي طاولت القطاع الصحي وأثّرت فيه سلباً.
يقول عبد الله في حديثه لـ«الأخبار»: «إن خطورة الموضوع بالنسبة إلى الكادر الطبي تتعلق بقدرة المصاب على نقل العدوى، حتى مع عدم وجود أعراض، وبالتالي نحن بحاجة إلى العمل بحذر، واستخدام جميع وسائل الوقاية المتوفرة (الكمامة - النظارات - القفازات) واتباع أساليب التعقيم والتطهير الضرورية»، موضحاً وجود نقصٍ في تطبيق هذه الإجراءات ضمن المشافي.
القلق الذي يرافق الأطباء في التعامل مع المرضى المصابين بالفيروس أو حتى المشتبه فيهم، مع عدم وجود معلومات كافية عن الفيروس، هو قلق ضروري برأي الطبيب عبد الله، الذي يقول: «لا ننكر شعورنا بالخوف على أنفسنا من العدوى أو نقلها إلى أهلنا، ونتابع أخبار الأطباء وإصاباتهم بالفيروس في جميع دول العالم ونتوقع في أي لحظة أن نكون رقماً جديداً في سجل الإصابات».
تحديات أخرى تواجه الأطباء في الفترة الحالية يبيّنها الطبيب غيث حسام الدين علي (طبيب جراحة ترميمية وتجميلية في مشفى الهلال الأحمر السوري)، وتتمثل في مشكلة التنقل من وإلى المشفى في ظل إجراءات الحظر في المدن، وصعوبة السكن أو الاستراحة ضمن المستشفيات لارتفاع احتمالية انتقال المرض إلى الكادر الطبي وخاصة مع نقص أدوات ولباس الوقاية الكامل بشكل عام.

مراكز الحجر متأهّبة
الواقع مختلفٌ في المشافي خارج العاصمة، إذ لم يعلن وجود نتائج إيجابية للحالات التي يتم فحصها حتى الآن، إلا في درعا، ومع ذلك تم تجهيز مراكز للحجر والعزل تحسباً لأي تداعيات قادمة، ففي مشفى الحفة التابعة لمحافظة اللاذقية تم اعتماد المشفى كمركز عزل وحجر منذ حوالى الشهر لاستقبال الحالات المشتبه فيها باﻹصابة بفيروس «كورونا»، والحالات التي تحتاج إلى حجر بعد مخالطة القادمين من مناطق موبوءة.
يشير رئيس قسم مشفى العزل في مشفى الحفة، الطبيب نزار يونس، إلى أن العمل منظم بشكل جيد واللباس الواقي متوافر بالكامل من أغطية الرأس وكمامات N95، والنظارات والبدلات وغير ذلك، بالإضافة إلى التعقيم المتكرر اللازم للأشخاص والأماكن، معتبراً أن «الخوف رافق العاملين في بداية الأمر لكنه تبخّر شيئاً فشيئاً مع إجراءات الوقاية المتبعة» حسب قوله.
أما مركز الحجر في محافظة حمص، فهو يستقبل الأشخاص ممن يعبرون الحدود بطريقةٍ غير شرعية، حيث يتم حجرهم ومراقبتهم لمدة 14 يوماً ومن ثم تخريجهم في حال كانت نتائج فحوصاتهم سلبيةً، وحتى الآن لا توجد أي إصابات. أكثر التحديات التي تواجه الطاقم الطبي في المركز وفق الطبيب غسان طنوس، مدير مشفى ومركز الحجر، تتمثل بإقناع الأشخاص بدخول الحجر بسبب عدم وعيهم (ووعي المحيط بهم) بضرورة هذا الإجراء، بالإضافة إلى عدم وجود استعداد نفسي لدى بعض العاملين في المركز من القطاع الطبي والخدمي لطبيعة وتداعيات هذا العمل. أما من ناحية توافر معدات الوقاية والأدوية فهي موجودة وبكثرة وبصناعة محلية.

أطباء عن بعد
لم يقتصر دور الأطباء على وجودهم في المشافي للتعامل مع الحالات الإسعافية وإصابات الفيروس، بل جنّدوا أنفسهم أيضاً في الساحات الافتراضية لخدمة المواطنين الموجودين في منازلهم تطبيقاً للحجر الصحي، وهذا ما قام به أعضاء منصة الصحة السورية «ميددوز».
الفريق يضم 200 طبيب وصيدلاني ومعالج فيزيائي وممرض، وتأسّس قبل أكثر من عامين. يشير أحد مؤسسي المنصة الطبيب أحمد محمد (جراح عصبية،) إلى أنّ أفراد الفريق «مستنفرون على جميع وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم المعلومات الطبية اللازمة ضمن جميع التخصّصات بلغة بسيطة قريبة من الناس». كما أطلق الفريق «أول مركز اتصالات طبية» في سوريا للاستفسار عن وباء «كورونا» عبر خط ساخن متاح للجميع. ومركز ثانٍ لتقديم إجابات على كل الأسئلة حول أي مرض للناس المحجورين في منازلهم، من خلال قائمة تتغيّر يومياً بأرقام عدد من الأطباء بتخصّصات مختلفة. هذا عدا عن البث المباشر الدوري للأطباء وخاصة تخصّصات الصدرية والتغذية لتقديم نصائح إلى الناس للوقاية وتقوية المناعة.
ويضيف الطبيب محمد: «إنّ الفريق أصدر كتاباً إلكترونياً بعنوان (ميددوز يحارب كورونا) يتضمن مئات الأسئلة والاستفسارات حول موضوع الكورونا والأجوبة الطبية عليها من مصادر موثوقة، وتم تحديث الكتاب بعد فترة مع تطور المعلومات حول الفيروس».
أما الطبيبة رهام شروف (طبيبة في مشفى الجلدية بدمشق ومن أعضاء ميددوز) فتقضي ساعات طويلة في ترجمة الأبحاث والدراسات والرد على استفسارات المواطنين والتواصل الإلكتروني معهم بغية تقديم خدمة طبية مجانية، إضافةً إلى عملها في قسم الإسعاف في المشفى.
تجربة منصة «ميددوز» تعمّمت على أكثر من جهة وفريق طبي، منها ما هو تابع لوزارة الصحة على مستوى سوريا كلها ومنها مبادرات محلية؛ وبرغم أن الجهود المبذولة في هذا المجال، بعيدة عن الخطر، إلا أنها مهمة جداً لمحاربة الفيروس.

ريبورتاج  لمى علي -الاخبار