زياد غصن

ماذا كانت تتوقع وزارة المالية بتغييرها فجأة لـ"قواعد اللعبة" في الواقع الضريبي؟

هل كانت تتوقع أن يتفهم الوسط الاقتصادي ذلك ويتعاون معها؟ أم أنها كانت تتوقع ما حصل وأصرت على المتابعة لاعتبارات عدة؟

أياً كانت الإجابة على الأسئلة السابقة فإن الوزارة "تلام" في كل ما جرى، إذ أن العمل على تغيير واقع ترسخت ملامحه على مدار عدة عقود لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها... وفي ظرف اقتصادي صعب كالذي تعيشه البلاد، إلا إذا كانت الوزارة مستعدة لتحمل تبعات ذلك من تهديد منشآت بالتوقف عن العمل، إلى محاولة منشآت أخرى تعويض ما "خسرته" ضريبياً من جيوب المواطنين، فزيادة المخاوف التي تعترض منشآت تضررت بفعل الحرب، وترغب اليوم بالعودة إلى العمل والإنتاج... وغير ذلك.

أعتقد أن الأمر كان يحتاج إلى "تهيئة" موضوعية وذكية للرأي العام... مواطنين وأصحاب أعمال على حد سواء.

إذ أن وجود قناعة شعبية بضرورة التحرك لمواجهة ظاهرة التهرب الضريبي ميزة كان يفترض أن تستثمر لدعم تنفيذ القرار الحكومي، وذلك من خلال تنوير الرأي العام بخطورة المستوى الذي وصلته هذه الظاهرة من جانب، والتأكيد فعلياً أن المبالغ المحصلة ستستثمر في مشروعات تعود بالنفع على جميع أفراد المجتمع من جانب آخر.

على المقلب الآخر والمتعلق بالمكلفين ضريبياً، هناك أيضاً كلام كثير يمكن أن يقال....

أولاً- صحيح أن التهرب والتهريب الضريبي فاقا كل تصور زمنياً وحجماً، لكن بقناعتي كان الأفضل لو منح المكلفون مهلة زمنية معينة لفتح صفحة جديدة مع الدوائر المالية قبل أن تبدأ دوريات الاستعلام الضريبي مهامها، فمثل هذه التسوية كانت ستسحب أي ذريعة أو حجة للمتهربين ضريبياً، وتالياً تعطي كل الحق لوزارة المالية في اتخاذ ما تراه مناسباً بموجب القوانين والأنظمة.

ثانياً-هناك طرق أخرى يجب أن تفكر وزارة المالية بالتعامل معها كخيارات متاحة بعيداً عن مداهمة دوريات الاستعلام الضريبي للمنشآت والمعامل والمكاتب من قبيل التعاون مع الوزارات والمؤسسات الحكومية لجمع معلومات عن شريحة من المكلفين ومقاطعة تلك المعلومات مع بعضها البعض وصولاً إلى تحديد التكليف الضريبي لهؤلاء المكلفين والاستغناء عن مداهمة منشآتهم ومكاتبهم...

فمثلاً... لماذا لا يكون هناك تعاون بين الهيئة العامة للضرائب والرسوم ووزارة التربية لحصر التكليف الضريبي للمدارس الخاصة من خلال مقاربة عدد الطلاب المسجلين مع الأقساط الحقيقية للتسجيل وهي معلومات يفترض أن تكون موجودة لدى وزارة التربية!

كذلك الأمر بالنسبة لجهات أخرى...

ثالثاً-التأكيد عملياً على أن عملية مكافحة التهرب الضريبي ليست انتقائية هذه المرة، وذلك من خلال تطبيق القانون على الجميع من دون أي استثناء، والنجاح في هذه المهمة يعني استعادة ثقة المواطن بالدوائر المالية وتعاونه معها.

رابعاً وهو الأهم بنظري يتعلق بواقع الإدارة الضريبية، إذ لا يمكن مكافحة التهرب الضريبي وهناك من يسهل ويساعد المكلفين على التهرب الضريبي من قبل بعض العاملين أو المحاسبيين. ووزير المالية السابق الدكتور مأمون حمدان كان يعلن صراحة في معظم اجتماعاته الداخلية أن فساد بعض العاملين يشكل عاملاً أساسياً في التهرب الضريبي... فهل لدى الوزارة حالياً رؤية جريئة للإصلاح الداخلي؟

يبقى ما سبق مجرد وجهة نظر بالنظر إلى المواقف والآراء التي سادت خلال الأيام القليلة الماضية جراء إجراءات وزارة المالية، لكن ربما يكون مفيداً لو أجرت الوزارة قريباً حواراً هادئاً وتقييماً موضوعياً لما جرى وانعكاساته المختلفة.

 فينكس