سألني كثيرون إن كنت مقتنعاً بالتقديرات الحكومية المتعلقة بتأثيرات زيادة سعر مادة المازوت.

الإجابة على مثل هذا السؤال لا يمكن أن تختصر بكلمة نعم أو لا، إذ أن الملف له شجون كثيرة تبدأ بالظروف المحيطة بتقديم مقترح النقاش، فالجهة التي تولت إعداد هذه البيانات، والأهم طريقة إعداد البيانات ومنهجها العلمي واستقلاليتها.

عموماً يمكن القول: هناك شك دائم يحيط بأي رقم إحصائي حكومي، وهذا استنتاج يعزز صحته تضارب الأرقام الصادرة عن أكثر من جهة حكومية، وعدم مطابقة كثير من الأرقام للواقع مع مرور الوقت.

فمثلاً إلى الآن ليست هناك أرقام دقيقة وحقيقية حول قيمة الدعم الحكومي المقدم للسلع والخدمات، فإذا اعتمدنا على تصريحات المسؤولين الحكوميين سنجد أن قيمة الدعم قد تتجاوز اعتمادات الموازنة العامة للدولة… وربما أكثر!

في حين أن بيانات وزارة الزراعة خلال السنوات السابقة كانت تتحدث عن مستويات جيدة من انتاج القمح وغيره من المحاصيل الزراعية، فتبين لاحقاً أنها بيانات بعيدة عن كميات الإنتاج الفعلي من القمح وباقي المحاصيل الزراعية، لتدخل البلاد بذلك في أزمة غذائية كبيرة…!

هذ الأمثلة وغيرها الكثير يعني أن مؤسسات الدولة والقطاع العام تواجه مشكلتين خطيرتين:

الأولى وتتمثل في ضعف عملية حساب تكاليف الإنتاج والإنفاق الحكومي وعدم صحتها، وهناك كثير من الملاحظات التي تسجل سنوياً من قبل مفتشي الجهاز المركزي للرقابة المالية في هذا المجال. ولذلك من الضروري إلزام المؤسسات والجهات العامة التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في نظام التكاليف وتشديد الرقابة على التكاليف المعدة وتدقيقها علمياً قبل اعتمادها، وإلا فإن الوضع المالي للعديد من الجهات العامة سيبقى عائماً وضبابياً، ومساعداً على الفساد والسرقة والهدر.

المشكلة الثانية وتتعلق بالأرقام والبيانات الإحصائية الصادرة عن الوزارات والمؤسسات، وهي غالباً غير دقيقة لكونها منتجة بطرق لا تعتمد على الأساليب والمناهج العلمية مع تدخل كبير للعامل الشخصي، سواء لتحقيق غايات وأهداف معينة أو بفعل اللامبالاة وعدم تقدير أهمية الرقم في اتخاذ قرارات تؤثر على مستقبل هذا القطاع أو ذاك.

وما يزيد من عمق هذه المشكلة هو تراجع دور المكتب المركزي للإحصاء خلال السنوات السابقة، وفشله في رصد المتغيرات التي تطرأ على الحياة السورية بمختلف جوانبها ومجالاتها، والأخطر هو خسارته لكوادر هامة وقيمة…!

قد لا تكون مشكلة الرقم الإحصائي جديدة، لكنها اليوم تصبح خطيرة لأن هناك قرارات مصيرية تبنى على الرقم الإحصائي، وعندما يكون هناك خطأ أو تضليل في عملية إنتاج الأرقام والبيانات الإحصائية فهذا يعني ببساطة أنا نؤسس لأزمة جديدة.

أعود إلى نقطة التقديرات الإحصائية الحكومية المتعلقة بتأثيرات رفع سعر المازوت لأقول: إن الحكومة وضعت نفسها من حيث لا تدري أمام اختبار كبير، فهي إن فشلت في ضبط تأثيرات قرار رفع سعر المازوت ضمن النسب والأرقام المعدة من قبلها فهو اعتراف واضح منها بأنها حكومة عاجزة، ولهذا كان من المهم نشر تلك التقديرات وتعريف الناس بها…

وإذا نجحت بذلك فعلياً لا صورياً، فهذا يعني أنها تمكنت، ولو لمرة واحدة، في تنفيذ ما تقول.. ولتبقى العبرة في الرضى العام عن ذلك الأثر!

السلطة الرابعة