كي لا تحولنا الحرب والضغوط المعيشية إلى شعب كسول....

أخشى أن نتحول إلى أفراد “كسولين”..

فعندما تؤكد البيانات الحكومية أن حوالي 53.8% من الأسر السورية تلقت إعانات بأشكال مختلفة، فهذا يعني أن الشريحة التي باتت تعتمد في معيشتها على مساعدات الغير زادت نسبتها بشكل واضح خلال سنوات الحرب على بلدنا..

وعندما يكون الأجر الشهري لأكثر من مليوني عامل لا يكفي لشراء احتياجاتهم الرئيسية إلا لبضعة أيام، فهذا يعني أن العمل يفقد تدريجياً أهميته وقدسيته..

وهذا ما نلمس بعض مؤشراته في نوعية العمل الذي يفضله طالبو العمل حالياً.. وفي المتغيرات الكثيرة التي طرأت على المهن والأعمال في مختلف القطاعات، حيث الميل نحو الأعمال الأقل حاجة للجهد والوقت.. والأسرع في تحقيق الربح والمكاسب.

وحتى عندما يقرر بعض أصحاب الأموال دخول ميدان الاستثمار أو توسيع استثماراتهم القائمة، فإن أولويتهم تتوجه في المقام الأول نحو مجالات تعرف بأنها سريعة المردودية، قليلة المخاطر.. أي نحو مجالات الاقتصاد الريعي لا الإنتاجي، رغم أن الجميع يعرف أين تكمن مصلحة الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة.. أليس هذا “كسل” أيضاً؟

هناك دول عدة لدى كل منها ثروات وموارد ما يفوق إمكانيات دول أخرى مجتمعة، ومع ذلك فإن ما عرف عن شعوبها من “كسل” جعلها عاجزة عن استثمار ما تملك وتحويله إلى فرصة اقتصادية مهمة..

وكي لا نسترسل كثيراً في الحديث عن حالة الكسل، التي نتخوف أن تحل بنا بعد حرب كارثية وضغوط اقتصادية كبيرة ومتلاحقة، فإنه من الأفضل أن نتحدث عن كيفية إبعاد هذا المرض عنا.. وفي هذا السياق هناك حقيقتان…

الأولى تتمثل في المقاربة الواضحة والصريحة لمواجهة الإجراءات الاقتصادية القسرية الخارجية والتخفيف من آثارها، وقوام هذه المقاربة هو تبني سياسة الاعتماد على الذات، بما تتضمنه من إطلاق لعجلة الإنتاج الوطني في مختلف القطاعات، وتحديداً في قطاعي الصناعة والزراعة.

وتنفيذ مثل هذه السياسة من شأنه توفير آلاف فرص العمل أمام المواطنين، وتالياً إخراج أسر كثيرة من دائرة انتظار المساعدات والإعانات الإغاثية والمالية إلى ساحة العمل المنتج.. والسوريون بارعون في استثمار الفرص بدليل ما فعلوه في الدول التي هاجروا إليها بسبب الحرب.

أما الحقيقة الثانية فهي في تعميم الجهود المبذولة من المؤسسات والجمعيات الأهلية الساعية إلى مساعدة المحتاجين على تأسيس مشروعاتهم الخاصة عوضاً عن تلقيهم لسلة مساعدات عينية، وفي هذا إطلاق لقدرات الأفراد وتحفيزهم على التفكير والعمل.

وكلنا يعلم أن هناك مبالغ ضخمة يدفعها المجتمع كمساعدات عينية أو مالية للفقراء والمحتاجين وأصحاب الدخل المحدود، لكن للأسف جميعها ينفق على شراء مواد استهلاكية، في حين أنه كان يمكن استثمار جزء منها لتوليد فرص عمل عديدة.. تضمن ديمومة دخل الأسر المحتاجة، وتسد جزءاً من احتياجات السوق المحلية…

قد يحبذ البعض استبدال تسمية “الكسل” بكلمات أخرى أخف وطأة.. إنما النتيجة ستكون واحدة فيما لو سارت السياسات والقرارات الاقتصادية والاجتماعية في اتجاه لا يعزز العمل والإنتاج بشكل حقيقي وفعال.

صخيفة تشرين