هب ما يسمّى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “اتحاد القرضاوي” لنجدة “حركة النهضة”، ودخل على خط الأزمة السياسية في تونس، على إثر القرارات التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد، وشملت تجميد عمل البرلمان لمدة شهر ورفع الحصانة عن كل أعضائه، وحل الحكومة وإعفاء رئيس الوزراء هشام المشيشي من منصبه، وتوليه هو رئاسة النيابة العمومية (الادعاء العام).

وأفتى “اتحاد القرضاوي”، الذي يمثل هيكلاً تنظيمياً لجماعة “الإخوان” الإرهابية وحاضنة لفكرها التكفيري والمتطرّف، بحرمة القرارات التي أصدرها سعيد، والتي شكّلت زلزالاً سياسياً في توقيتها ومضامينها، وأسست لمرحلة مواجهة مباشرة مع التيار الإخواني “النهضة”، وإن كانت قد أثارت جدلاً سياسياً حاداً حول دستوريتها من عدمها، وهو أمر يخوض فيه كثير من خبراء القانون الدستوري، لكن الرئيس التونسي، وهو أستاذ قانون دستوري، يتمسّك بشرعيتها وينفي عنها صفة “الانقلاب”.

وزعم “اتحاد القرضاوي”- والذي شرعن الجرائم الإرهابية وامتهان الكرامة الإنسانية وتدمير الحضارة والمدنية في سورية وليبيا- في بيان نشره على حسابيه بتويتر وفيسبوك أن “الاعتداء على العقد الاجتماعي الذي تمّ بإرادة الشعب التونسي محرّم”، متجاهلاً صوت مئات آلاف التونسيين الذين يرون أن إجراءات سعيّد كانت دستورية، وتمت الدعوة إلى اتخاذها من أطراف سياسية مختلفة، حثّت رئيس الجمهورية على لعب دوره في إنقاذ البلاد من أزمة سياسية حادة أفقدت البلاد توازنها.

وينظم العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة العلاقة بين الرئاسات الثلاث: رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان.

وقال “اتحاد القرضاوي” كذلك: إن “حماية العقد الاجتماعي والحفاظ على الحريات وحقوق الشعب فريضة شرعية على جميع مكوّنات الشعب التونسي والحفاظ على المؤسسات الدستورية واجب وطني”، وأفتى بأن إعلان حالة الطوارئ المفتوحة أمر لا يجوز، مبرراً ذلك بما فيها “من انتهاكات جسيمة لمصالح العباد والبلاد”، حسب ادعاءاته.

وذهب في تعليقه على قرارات الرئيس التونسي إلى التدخل في الشأن السياسي عبر تضامنه مع حركة “النهضة”، الشريك الرئيسي في الحكومة، التي أقالها سعيد بإعفاء رئيسها هشام المشيشي، وبتجميده عمل وسلطة البرلمان الذي يرأسه متزعم النهضة راشد الغنوشي.

وتكمن خطورة بيان “اتحاد القرضاوي”، الأب الروحي لجماعة الإخوان الإرهابية، والذي أفتى في السابق بشرعية التفجيرات الإرهابية في سورية وليبيا، في كونه أقرب للتحريض على العنف والفوضى منه لتعليق عادي على تطوّرات سياسية، لا تعنيه بقليل أو كثير.

وأثارت قرارات الرئيس التونسي مخاوف جماعات “الإسلام السياسي”، المدعومة من النظام التركي، من انهيار حكم النهضة، التي تهيمن على المشهد السياسي في تونس منذ نحو عشر سنوات. إذ إن حركات: مجتمع السلم (حمس)، أكبر حزب إسلاموي في الجزائر، وجماعة العدل والإحسان المغربية المحظورة، و”جبهة العمل الإسلامي” الأردني، و”الوسط” الأردني الإسلاموي، قد نددت الاثنين في بيانات بقرارات سعيد، واعتبرت الإجراءات التي أعلنها “انقلاباً” على الدستور.

ويسود اعتقاد كبير لدى تلك التنظيمات أن تمكين جماعات “الإسلام السياسي” في تونس، الذي صمد منذ 2011، بدأ يتهاوى على وقع قرارات رئاسية شكّلت منعطفاً حاسماً لم تتضح بعد تداعياته، مع استمرار الرئيس التونسي في اتخاذ حزمة إجراءات قد تشمل محاسبة قيادات في “النهضة” بتهم تتعلق بالفساد وإهدار المال العام، وأيضاً قد تتوسّع تلك الإجراءات لفتح ملف الجهاز السري للحركة، والتحقيق في اتهامات المعارضة التونسية للنهضة بالتورط في اغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد والنائب السابق محمد البراهمي في 2013.

وكان سعيد قد أعلن من ضمن القرارات التي اتخذها توليه رئاسة النيابة العمومية (الادعاء العام)، وهو إجراء يمكنه من فتح عشرات ملفات الفساد، وقد سبقه إجراء آخر بإيقاف قاض مكلّف بقضايا الإرهاب، ويعتقد أنه مقرّب من “النهضة”.

وكالات