يرى إردوغان أن تعقيدات الوضع الإقليمي والدولي لصالحه، وخصوصاً بعد عودة "طالبان" إلى كابول، وهو ما ساهمت به الدوحة، في إطار خطة متفق عليها مع واشنطن.

بعد أن فشلت مساعي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للمصالحة مع عدوه اللدود عبدالفتاح السيسي عبر الوساطة القطرية، عاد إلى نهجه التقليدي بين المد والجزر في سياساته الإقليمية. وجاء اتّصاله برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كردّ أوّلي على الفتور في موقف القاهرة وانتصارها المبدئي في تونس، بعد ما قام به الرئيس قيس سعيّد ضد "النهضة" وسياساتها الداخلية والخارجية.

وجاءت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان المفاجئة إلى تركيا (12 آب/أغسطس) بناءً على دعوة خاصّة، لتثبت ما قيل عن محاولات إردوغان لتضييق الحصار على القاهرة عربياً وإقليمياً، من دون أن يبالي بما أقدم عليه البرهان من تطبيع مع "إسرائيل". وقال نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي إنّ "السودان خصَّص 100 ألف هكتار من الأراضي لتركيا لاستغلالها زراعياً"، من دون الحديث عن الاتفاقية التي وقّع عليها المخلوع عمر البشير في العام 2017، وتم بموجبها تخصيص جزيرة سواكن على البحر الأحمر لتركيا.  

لم تبقَ تكتيكات الرئيس إردوغان عند هذا الإطار، فقد شهدت الدبلوماسية التركية نشاطاً مكثفاً مع الجزائر المجاورة لتونس، على الرغم من المعلومات التي سبق لها أن تحدثت عن تنسيق وتعاون تركي مع الرباط عبر حكومة حزب "العدالة والتنمية" المغربي. 

يأتي كلّ ذلك في الوقت الَّذي تتحدَّث المعلومات عن مشاريع وخطط تركية عسكرية وأمنية واقتصادية ومالية كبيرة جداً في الصومال القريب من باب المندب؛ المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أي قناة السويس. كما تتحدَّث المعلومات عن تحركات تركيّة مكثّفة لعرقلة الحل النهائي للأزمة الليبية عبر رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة المدعوم من الفصائل الإخوانية المسلحة؛ حليفة الرئيس إردوغان سياسياً وعقائدياً وعسكرياً. 

هذا التحرّك التركيّ لتضييق الحصار من جديد على القاهرة تفرّغ له الرئيس إردوغان بعد أن ضمن استمرار الوضع على ما هو عليه في إدلب والشمال السوري عموماً، حيث تسيطر القوات التركية والفصائل الموالية له على حوالى 10% من سوريا.

ويبدو واضحاً أن إردوغان، مع استمرار مقولاته ومواقفه العملية هناك، لا يفكر في الخروج منها، وهو يرى أن تعقيدات الوضع الإقليمي والدولي لصالحه، وخصوصاً بعد عودة "طالبان" إلى كابول، وهو ما ساهمت به الدوحة، حليفه الاستراتيجي والعقائدي، في إطار خطة متفق عليها مع واشنطن التي احتلت أفغانستان من قواعدها في قطر! كما احتلت العراق من هذه القواعد التي تحمي التواجد العسكري الأميركي في الشمال السوري، ولم يعد الرئيس إردوغان يتحدث عنه منذ أن أدخل قواته إلى شرق الفرات في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وبضوء أخضر أميركي وروسي مشترك. 

وساعد ذلك إردوغان للتصدي لمعارضيه في الداخل، من خلال مقاولات الأمن القومي، كما زاد من قوة أوراقه في المساومات الإقليمية والدولية، ليس فقط في ما يتعلق بسوريا، بل والعراق أيضاً، إذ تستمر تركيا في تكثيف تواجدها العسكري فيه، بحجة مسلّحي حزب العمال الكردستاني التركي، ومعظمهم أصبحوا في شمال شرق سوريا، بحماية الرئيس بايدن. ويبدو واضحاً أنَّ إردوغان يريد له أن يساعده في تطبيق أجندته في المنطقة التي يقول عنها إنَّها كانت تحت الحكم العثماني لأكثر من 400 عام، من دون أن يكون واضحاً، وعلى الأقل حتى الآن، هل ستبقى واشنطن راضية على أداء الرئيس إردوغان خلال السنوات العشر مما يسمى بـ"الربيع العربي"؟ وإلى متى؟ بل والأهم من ذلك: هل تفكر في تحميل إردوغان أدواراً مماثلة في الربيع الأفغاني القادم ما دام العنصر الأساسي في الربيعين هو "الإسلام السياسي". 

هذا هو ما أراد أن يقوله الرئيس إردوغان عندما توقع تفاهماً عملياً بينه وبين "طالبان"، بعد أن أشار إلى أنْ "لا تناقض في العقيدة الدينية بين طالبان وتركيا". دفع ذلك أحد مراكز الدراسات إلى إجراء استطلاع عاجل للرأي، قال فيه 27.1% من أنصار حزب "العدالة والتنمية" الحاكم أنْ لا فرق بين فهم "طالبان" وتركيا للإسلام، وذلك مقابل 22.3% من الذين قالوا أنْ لا رأي لهم في هذا الموضوع.

ورغم أنَّ 50.6% استبعدوا أيَّ فهم مشترك للإسلام بين "طالبان" وتركيا، فإنَّ المعارضة لم تخفِ قلقها من أولئك الذين يفكّرون كما يفكّر إردوغان. وسبق للمعارضة أن عبرت عن قلقها عندما أعلنت نسبة لا بأس بها من الأتراك عن تضامنها مع "داعش"، وذلك في استطلاع للرأي أجرته مؤسَّسة "غلوبال" للدراسات السياسية والاستراتيجية في كانون الثاني/يناير 2016، إذ قال 9.3% من المشاركين في الاستطلاع آنذاك إنهم لا يرون في "داعش" تنظيماً إرهابياً، وذلك مقابل 21% من الذين قالوا إنَّ "داعش" يمثل الإسلام، و8.9% منهم اعتبروا "داعش" دولة إسلامية.

ومع انتظار استطلاع جديد عن نهج "طالبان"، يبدو واضحاً أن الرئيس إردوغان لن يفوّت الفرصة (عبر الوسيط القطري) لاستغلال تطورات أفغانستان لكسب موطئ قدم له هناك، بعد كلّ ما حقَّقه من انتصارات في الجغرافيا العربية عبر "الربيع العربي"، والتي يرى أن جميع معطياتها لمصلحته.

ويريد إردوغان لـ"الربيع الأفغاني" المحتمل أن يجعل من أفغانستان وجوارها ساحة جديدة "لانتصاره الأعظم" على طريق إحياء ما تبقى من ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانيّة وما سبقها، وهو ما سأحاول الحديث عنه في مقالي القادم.

الميادين