فاجأنا السيّد مصطفى الكاظمي رئيس وزراء العِراق المُقرَّب من الولايات المتحدة الأمريكيّة مرّتين: الأُولى عندما تردّد أنّه وجّه دعوةً إلى الرئيس السوري بشار الأسد لحُضور مُؤتمر قمّة دول الجِوار المُزمَع عقده بنهاية هذا الشّهر من خِلال رسالة نقلها السيّد فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي التَقى الرئيس السوري في دِمشق يوم أمس الأحد، والثّانية عندما سارع بنَفي بشَكلٍ “غير دبلوماسيّ” هذه الدّعوة وتبرّأ منها بالتّالي، في بيانٍ رسميّ صدر عن الحُكومة اليوم الاثنين قال فيه إنّ الدّعوات الرسميّة تَصدُر باسم رئيس الحُكومة فقط، الأمر الذي خلق الكثير من البلبلة واللّغط، وبِما قد يُؤدِّي إلى أزمةٍ داخليّة في بلدٍ تزدحم فيه الأزَمات.
نعترف بأنّ هذا النّفي، وبالصّيغة التي احتواها البيان الرّسمي، جاء صادمًا، لأنّها المرّة الثّانية التي يتجاهل فيها السيّد الكاظمي سورية وبشَكلٍ استِفزازيّ، فالأُولى كانت عندما تبنّى صيغة منظومة تعاون إقليميّة تَضُم الأردن ومِصر إلى جانب العِراق تحمل اسم “الشام الجديد”، ودون أن تكون دولة الشّام التاريخيّة، أيّ سورية، مَدعُوَّةً للمُشاركة فيها.
السيّد الكاظمي يُكَرِّر الموقف الاستِفزازي نفسه عندما يتجاهل دعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى قمّةٍ أمنيّة تحمل اسم “جِوار العِراق” وتَضُم العديد من الدّول التي لا تحمل هذه الصّفة، مِثل مِصر والإمارات وقطر وفرنسا، وتستثني سورية الدّولة الجارة لبِلاد الرّافدين لأكثر من ثمانية آلاف عام، التي تلتقي مع بلاده على أرضيّةٍ حضاريّةٍ تمتدّ لآلاف الأعوام.
من المُؤكَّد أنّ السيّد الكاظمي ليس قارئًا جيّدًا للتّاريخ، ولا لتطوّرات الأوضاع المُتغيّرة بشَكلٍ مُتسارع في منطقة الشّرق الأوسط والعالم، أو ربّما لا يُريد الاستِفادة من دُروسها، ودليلنا أنّه يُقدِم على مِثل هذه المواقف بضَغطٍ من الولايات المتحدة التي زار عاصمتها مرّتين في أقل من عام، التي تحتلّ أرضًا سوريّة، وتُشارك في مُؤامرةٍ إقليميّة ودوليّة لتفتيت وحدتها التّرابيّة مُنذ عشرة أعوام، وباتت على وشك فُقدان هيبتها وزعامتها للعالم.
لا نفهم مواقف السيّد الكاظمي وحُكومته إلا من هذه الزّاوية، أيّ تبنّي المشروع الأمريكي الاستِعماري الفاشِل والمُعادي للعرب والمُسلمين في المنطقة، والتّمسّك بوجود القوّات الأمريكيّة المُحتلّة على أرضِ بلاده تحت مُسمّيات وذرائع مُتَعدِّدَة، في انتهاكٍ صارخ لقرار مجلس النوّاب العِراقي (البرلمان) الذي يُطالب برحيلها في أسرعِ وَقتٍ مُمكن.
كُنّا نتمنّى لو أنّ السيّد الكاظمي وقف في الخندق السّوري في مُواجهة المُؤامرات الأمريكيّة، وأن يكون عونًا لهذا البلد بتَزويده بكُل ما يحتاجه من النّفط والمُساعدات الغذائيّة لتخفيف مُعاناة شعبه المُحاصر والمُجَوَّع بسبب الحِصار الأمريكي واحتِلال أمريكا حليفته لآبار نفطه وغازه ومخزون زراعة الحُبوب شرق الفُرات، ولكنّه لم يفعل للأسَف.
من الأسباب الأبرز التي دفعت الإدارات الأمريكيّة لتدمير سورية وحِصارها، مُعارضتها، أيّ سورية، لاحتِلال العِراق، ودعم المُقاومة الباسلة التي هزمت أمريكا وأجبَرتها على سحب جميع قوّاتها في أواخِر عام 2011، ومن المُؤلِم أنّ السيّد الكاظمي وحُكومته كافأها بتشديد الحِصار عليها، ودعم مشروع الاحتِلال الامريكي لأراضيها وتجويع شعبها، ربّما انتِقامًا من هذه المواقف الوطنيّة.
لا يُشَرِّف سورية ورئيسها أن تُشارك في مُؤتمر قمّة يتزعّمه ماكرون، وتُشارك فيه قِيادات دُول أُخرى تآمرت لتدميرها، وضخّت وحُلفاءها مِئات المِليارات، وأرسلت عشَرات الآلاف من المُتطَرِّفين لتحويلها إلى دولةٍ مُمزّقة فاشلة تعمّها الفوضى وعدم الاستِقرار ونهب ثروات شعبها النفطيّة والغازيّة.
نُذَكِّر السيّد الكاظمي أنّ أمريكا التي يَقِف في خندقها تعيش اليوم هزيمةً مُهينةً ومُذِلَّةً في أفغانستان، وتخلّت عن جميع حُلفائها وعُملائها في البلد وتركتهم يُواجهون مصيرهم وحدهم، بِما في ذلك الرئيس أشرف غني الذي ترك البلاد فارًّا تارِكًا شعبه وقادة جُنود جيشه خلفه، وهذا الذي تعهّد بالدّفاع عنها والموت على أرضها ولا بُدَّ أنّه شاهد حالة تَدافُع عشَرات الآلاف من أيتام أمريكا للهرَب في مطار كابول.. والسّعيد من اتّعظ بغيره.. ونكتفي بهذا القدر.
“رأي اليوم”