ليلى عماشا

حلّت أفغانستان ضيفة على اهتمامات روّاد منصّات التواصل في اليومين الآخيرين، واحتل مشهد الطائرات الأميركية وهي تغادر كابول حيّزًا مهمًّا من المواقع والحسابات الإلكترونية. فالمشهد، بكلّ تفاصيله، حافلٌ بالعِبر والدّروس لمن شاء التعلّم من تجارب الآخرين، ويمثّل بمصداقية عالية الأسلوب التقليدي والمتكرّر في كيفية تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع بلادنا، وبشكل خاص مع أدواتها في بلادنا.

كان يكفي أن يشير السيد نصر الله في خطابه ليل الأول من أمس إلى الحدث الأفغاني كي تتجه الأنظار جميعها إلى تلك البلاد التي لا نعلم عنها ما يكفي لبناء موقف واضح حول تفاصيل أحداثها، ولكنّنا نعلم كفايتنا مما ارتكبه الأميركيون فيها كي نكرّر موقفنا المبدئي بأن نعادي كلّ ما يرضي أميركا، ونبتسم بحرارة لكل فعل أو جهة تؤلمها.

وجدنا أنفسنا، رغم الأحداث المحلية التي تخنق غالبيتنا، نتفرّج على المشهد في أفغانستان ونفرح لتمكّنها من طرد الأميركي، بغضّ النظر عن الموقف من حركة طالبان والتي تتناقض المعلومات حول طبيعتها لا سيّما وأنّه جرى الخلط بينها وبين تنظيم القاعدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن حيكت حولها الكثير من المعلومات المغلوطة والتي بعضها مفبرك في المعامل الأميركية لانتاج الدعاية السياسية، وبعضها متعلّق بالنقاشات العقائدية وما يصحبها أحيانًا من حكايات وأقاويل غير مثبتة، بل غير واقعية.

أخذ السيّد جميع الأعين صوب أفغانستان، والعبرة من تلك النظرة هي الدعوة إلى التأمّل في كيفية تعاطي الأميركي مع أدواته، ومنها ما سُمّي بالمجتمع المدني. عمليًا، لقد رأينا أدوات أميركا الأفغان في اللحظة التي كان مشغّلهم فيها يتخلى عنهم ويتركهم لمواجهة مصيرهم، ومصيرهم طالبان. الأمر بحسب كل المعايير ليس لطيفًا أبدًا.
تنقل الصورة بالتفاصيل ذلّ العملاء على أعتاب مَن استخدمهم لسنين طويلة وتخلّى عنهم على جناح السرعة. المشهد نفسه كنا قد رأيناه موثّقًا في ڤييتنام يوم أجلت أميركا رعاياها وتخلّت عمّن باعوها عقولهم وقدراتهم عند مفترق الهروب. وكذلك رأيناه في يوم التحرير في الجنوب عام ٢٠٠٠ يوم وقف العملاء طابورًا أقفلت بوجهه بوابات الحدود فاستصرخ أسياده معاتبًا "متوقعين ننكحت بس بشرف"..

في كابول، حضرت الطائرات الأميركية لإجلاء من تريد اجلاءهم، وكي تعطي من حيث لا تدري درسًا لكلّ أدواتها في كلّ البلدان: "سأتخلى عنكم يوم تنتفي حاجتي لاستخدامكم"، وهي تعلم تمامًا أنّ أحدًا من هذه الأدوات لن يعتبر، ولن يسعى للتحرّر منها حتى وإن شهد بعينيه كيف ستتركه في يوم هروبها.

لقد تجمّع المتأمركون الأفغان، ومنهم من سمّي بـ"المجتمع المدني"، (ويبدو أنّها تسمية باتت معتمدة عالميًا).. تسلقوا حواف الطائرة، زحفوا على سلّمها، عسى يلتحقون بزملائهم الذين تمّ تكديسهم في حجرات الشحن، بل عسى يحملهم جناح الطائرة إلى فرصة للهروب. لكنّ الطائرة تابعت سيرها، وكأن فرقة طبّالي أميركا في أفغانستان المدنية هي سلعة انتهت مدة صلاحية استخدامها فرُميت في زاوية المهملات وتُركت لمصيرها في مواجهة أهل البلد الذين بلا شك لديهم ما يقولونه للمتأمركين، أو ما يفعلونه بهم، لا سيّما بالنظر إلى موقفهم الأخير وهو السعي للحاق بالأميركي بدلًا من صحوة ضمير تعيد القلب والعقل إلى مجراهما الوطني والقومي.

ليس المطلوب من متابعة المشهد في أفغانستان اليوم أكثر من الاعتبار، ومن تحويل الصورة الحقيقية إلى مادة رسالة نوصلها إلى كلّ عبيد أميركا على الأرض، وأدواتها في البلاد: هذا ما ستفعله بكم في نهاية المطاف، هذه نهايتكم معها!

العهد