الكاتب: بتول رحال


تمدُّد "طالبان" في البلاد بات أمراً واقعاً، والشعب الأفغاني ظلّ، على مدى 20 عاماً من الاحتلال الأميركي، يواجه ظروفاً أمنية ومعيشية صعبة، على الرغم من كل المزاعم بشأن بناء عهد جديد له.

كيف تركت أميركا أفغانستان بعد 20 عاماً؟
أفغانستان تُصنَّف واحداً من أكثر الاقتصادات هشاشة وتعرُّضاً للخطر في العالم
وعد الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، قبل عشرين عاماً، الشعبَ الأفغاني باقتراب حركة "طالبان من الانتهاء"، وشدّد على أنّ "مسؤولية الولايات المتّحدة تجاه أفغانستان لم تنتهِ بعد، فأميركا تعمل لبناء عهد جديد من حقوق الإنسان وكرامته في البلاد"، على حدّ تعبيره. 

لكنْ، بعد عشرين عاماً، وعقب وصول حركة "طالبان" إلى سدّة الحكم في أفغانستان، وخروج القوات الأميركية، في مَشاهد مذلّة أمام العالم أجمع، خرج الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن ليقول إنّ "مُهمتنا في أفغانستان لم تكن أبداً بناء الدولة، وإنما أن نركّز على مكافحة الإرهاب، ومنع الاعتداءات على الأراضي الأميركية". 

ما قاله بايدن يُدين الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، فهو يعبّر بصورة واضحة وصريحة عن فشل أميركا في تحقيق ما زعمت أنّها تريد تحقيقه في احتلالها أفغانستان، إذ إنّ تمدُّد "طالبان" في البلاد بات أمراً واقعاً، على الرغم من كلّ الوعود الأميركية بإنهائها والقضاء عليها، حتى إنّ الشعب الأفغاني ظلّ، على مدى عشرين عاماً، يواجه ظروفاً أمنية ومعيشية صعبة، على الرغم من كل المزاعم الأميركية بشأن بناء عهد جديد له.

إذاً، يبقى السؤال هنا: ماذا كانت تفعل الولايات المتحدة طوال 20 سنة في أفغانستان؟ وكيف تركت أميركا البلادَ، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً؟ 

هدف الولايات المتحدة عزلُ أفغانستان عن محيطها
من النّاحية الاقتصادية، فإنّ أفغانستان تُصنَّف واحداً من أكثر الاقتصادات هشاشة وتعرُّضاً للخطر في العالم، بحسب ما نقله موقع "المونيتور" الأميركي. فنحو نصف الأفغان (47.3 في المئة) يعيشون في فقر، ويبلغ معدّل البطالة الرسمي نحو 11.7%، ونحو 34.3% من العاملين يكسبون أقل من 1.90 دولار أميركي في اليوم، وفقاً لبنك التنمية الآسيوي.

يأتي ذلك بينما يحذّر برنامج الأغذية العالمي من كارثة إنسانية وشيكة الوقوع في أفغانستان إذا لم يتمكن البرنامج التابع للأمم المتحدة من جمع مبلغ 200 مليون دولار بحلول أيلول/سبتمير المقبل، إذ تواجه أفغانستان خطر الانهيار الاقتصادي، بعد أن قالت دول ومؤسسات أجنبية إنها ستمنع المساعدات، وتحجب الاحتياطيات النقدية، بعد أن سيطرت حركة "طالبان" على العاصمة كابول في 15 آب/أغسطس الجاري. 

هذا العجز الاقتصادي ساهمت أميركا في صنعه، إلى حدّ كبير، إذ إنّ هدف الولايات المتحدة غير المعلن، عبر زيادة حضورها في أفغانستان، هو نهب ثرواتها المعدنية، وإبقاء الصين بعيدةً عن كابول، عن طريق عرقلة تأسيس علاقات تجارية واستثمارية لها بأفغانستان، وذلك بحسب ما ذكره موقع "غلوبال ريسيرش" الكندي. 

أفغانستان تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز الطبيعي والموارد الإستراتيجية، والّتي تشمل كميات ضخمة من الحديد والنحاس والكوبالت والذهب والليثيوم، وهي مادة خام استراتيجية تُستخدم في إنتاج بطاريات التكنولوجيا العالية لأجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية. كما أنّها غنيّة بالأفيون، الّذي اتّهم الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون أفغانستان، زامير كابولوف، الاستخباراتِ الأميركيةَ بأنّها تشارك في تهريبه لتمويل مشاريعها. 

عدا عن أنّ أفغانستان تتمتّع بأهمية جغرافية كبيرة، على المستويين الاستراتيجي والسياسي، بصفتها بلداً داخلياً يقع في جوار الصين، وباكستان، وإيران، ودول آسيا الوسطى. كما يمثل ممر "خيبر"، الواقع بين أفغانستان وباكستان، منذ القدم، واحداً من أهم الطرق التجارية والمواقع الاستراتيجية في العالم. 

المدارس والمستشفيات في أفغانستان من أكثر الأماكن تعرُّضاً للهجوم
لا يقتصر دور الولايات المتحدة على نهب ثروات أفغانستان ومواردها، بل أيضاً على زعزعة الأمن والاستقرار فيها. فبحسب تقرير صادر عن "هيومن رايتس ووتش" عام 2019، فإنّ القوات الأفغانية، المدعومة من "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي أيه)، نفّذت إعدامات بدون إجراءات قانونية، وارتكبت انتهاكات أخرى من دون محاسبة، بحيث إنّ القوات الضاربة قتلت مدنيين بطريقة غير قانونية خلال مداهمات ليلية، وأخفت المحتجَزين قسراً، وهجمت على منشآت صحية على خلفية مزاعم بمعالجة المتمردين. 

إلى ذلك، يُقَدَّر عدد الأطفال خارج المدارس بـ 4.2 ملايين طفل، بمن في ذلك أكثر من 2.2 مليون فتاة وفقاً لليونيسيف. ومنذ كانون الثاني/يناير، وثّقت الأمم المتحدة أكثر من ألفي انتهاك جسيم لحقوق الأطفال، وما يقرب من 435,000 طفل وامرأة من النازحين داخلياً، إذ إنّ المدارس والمستشفيات في أفغانستان لا تزال من أكثر الأماكن تعرُّضاً للهجوم.

وبحسب منظمة العفو الدولية، فإنّ التحقيقات والمحاكمات بخصوص حالات قتل المدنيين، بصورة غير مشروعة في أفغانستان، تفتقر إلى الشفافية. فالجيش الأميركي يحجب البيانات الكاملة عن المحاسبة عن الخسائر في صفوف المدنيين، ونادراً ما يقدم معلومات عن حالات فردية. أمّا نظام حرية المعلومات الذي تتبناه الحكومة الأميركية، والهادف إلى "ضمان الشفافية عند إحجام هيئات حكومية عن تقديم معلومات"، فلا يُطبَّق على نحو فعّال عندما يتعلق الأمر بخسائر في صفوف المدنيين.

وبعد أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة، وانسحاب قواتها العسكرية من أفغانستان، تشير دراسة لجامعة "Brown" الأميركية إلى أنّ التكلفة الإجمالية لاحتلالها البلاد تجاوزت 2.26 تريليون دولار، بحيث موّلت واشنطن الحرب بأموال مقترَضة، والتي من المتوقع أن تصل تكلفة الفائدة، بحلول عام 2050، إلى 6.5 تريليونات دولار.

كل ذلك، ولم تحقق أي شيء مما وعدت بتقديمه إلى الأفغان، بل زادت في عجزهم وفقرهم ومأساتهم، حتى إنّ صندوق النقد الدولي علّق مؤخّراً وصول 440 مليون دولار إلى أفغانستان من الاحتياطيات النقدية الجديدة، بعد سيطرة "طالبان"، وذلك استجابة للضغط الأميركي.

وما أفغانستان إلاّ مثالٌ حيّ على سياسة أميركا الخارجية، فهي تصطنع أهدافاً ومبررات واهية، كي تغزو الدول عسكرياً. وإن لم تستطع، فإنها تَغزوها عن طريق إعلان حرب عليها، اقتصادياً وسياسياً، من أجل تحقيق مكاسبها، ثمّ تتركها لمصيرها التي صنعته لها.

المصدر: الميادين.نت