ليس كافياً أن تنشط الصين وروسيا ومنظمة شنغهاي ودول البريكس في صياغة أسس ونظم العالم الجديد لأن الغرب لم يترك حلبة الصراع، بل لا بدّ لكل بلد ولكل تجمع إقليمي من وقفة جريئة مع الذات وتحديد التوجه والبوصلة والأهداف المرجوة في المرحلة القادمة.

في اتصال هاتفي مع الرئيس بوتين أكد الرئيس الصيني شي جينبنغ أنه على الصين وروسيا تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما لبناء عصر جديد للبشرية وتعميق التعاون لمواجهة التدخل الخارجي في شؤونهما. كما أكد جينبنغ على أن يلعب البلدان دوراً محورياً لتوحيد المجتمع الدولي وتخطي الصعوبات.

جاء ذلك في 26 آب 2021 أي بعد أيام من الانسحاب الأميركي من أفغانستان وارتدادات هذا الانسحاب على منظومة التفكير القيمية للعلاقات بين الدول والأثر الذي خلّفه هذا الانسحاب على مصداقية الأقوال والأفعال التي قرأناها وشهدناها جميعاً على مدى الـ20 عاماً الماضية. 

إنّ كل التصريحات والمواقف الصادرة عن واشنطن وحلفائها حول كلّ مجريات الأمور والتفجيرات والوضع الأمني في أفغانستان تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن كلّ ما تهدف إليه الإدارة الأميركية هو ضمان سلامة جنودها ومواطنيها دون إعارة أي اهتمام لما حلّ بذلك البلد بعد عشرين عاماً من احتلاله والعبث بشؤونه ونهب مقدراته تحت حجج وذرائع برهنت اليوم على أنها واهية وأنها مجرد غطاء لسرقة الليثيوم والذهب وكل ما تجود به تلك المنطقة من خيرات. والعالم وهو يرى ويسمع كل ما يحدث ويقال يستذكر الدور الأميركي في فيتنام والعراق وليبيا واليمن وسوريا، ويتيقن أكثر فأكثر من أن القوى الاستعمارية الغربية تستنزف خيرات الشعوب وتدمّر بلدان العالم وتخرّب أسلوب عيش شعوب بنت الحضارات الإنسانية عندما كان الغرب يرزح في ظلام الجهل والتعصب، والاستعمار الغربي يقوم بغزو هذه البلدان الآمنة أملاً في أن تصبح تابعة له وتعيد صياغة نفسها على شاكلته.

من هذا المنطلق وبقناعة أكيدة أنّ لا أحد اليوم يؤمن بقيادة غربية أخلاقية وموضوعية للدول والشعوب يتحدث الرئيس الصيني مع الرئيس بوتين عن أهمية "بناء عصر جديد للبشرية"، عصرٌ تساهم به كل البلدان والشعوب؛ كلٌّ حسب مقدراته وتاريخه وحضارته دون أن يصبح أي منها نسخة عن الآخر ودون أن يُطلبَ تطبيقُ أنموذج واحد في الحكم والتصرف كما حاولت الأنظمة الاستعمارية أن تفعل على مدى العقود الماضية. ولكن لابد من أن تدرك التجمعات الإقليمية أيضاً كنه هذه المرحلة وضرورة وضع استراتيجيات جديدة لمرحلة جديدة تستفيد من دروس الماضي وتستقرئ المستقبل وتساهم في صنعه بكل ما أوتيت من قوة.

إذ أنه ليس كافياً أن تنشط الصين وروسيا ومنظمة شنغهاي ودول البريكس في صياغة أسس ونظم العالم الجديد لأن الغرب لم يترك حلبة الصراع وسوف يستمر بمحاولاته المستميتة لإبقاء سطوته على أكبر حيّز ممكن من العالم وبشروطه وحسب ما يناسب مصالحه مع تجديد أدواته بما يتناسب والمرحلة الراهنة واعتماد مبدأ الاختراق وإعادة ترتيب الأولويات واستخدام الأدوات الناعمة والضغوط الاقتصادية والميزات التقنية والمعرفية التي يمتلكها كي يحافظ على اليد العليا في المناطق التي لها قيمة استراتيجية لمصالحه في العالم.

لا بد في هذه المرحلة لكل بلد ولكل تجمع إقليمي من وقفة جريئة مع الذات وتحديد التوجه والبوصلة والأهداف المرجوة في المرحلة القادمة لأنه بالفعل عصر جديد وبأدوات جديدة كلياً عمّا عهدناه في الماضي. وكامرأة عربية أعتبر مصير كل عربي مرتبط بمصير أمته أتساءل غالباً: أين هي أمتنا من هذا المفترق الهام والخطير في آن واحد؟ وما هو العمل الجاري اليوم من أجل صياغة مستقبل يليق بحضارتنا وتاريخنا ومقدرات أبنائنا الذين يغنون مسار البشرية بمساهماتهم وإبداعاتهم في كل مكان، أقلّها في بلداننا العربية.

إن الشرط الأول لتحديد البوصلة هو وضوح الرؤية ونفض غبار كل الطروحات العائمة والمبهمة والتي تهدف أصلاً إلى استمرار حالة الضياع كي لا يتمكن أحد من الانخراط جدياً في بناء دولة قوية مستقرة لا تؤثر بها الرياح المغرضة ولا الاستهدافات الخارجية. وعلى المنخرطين في هذه المهمة النبيلة أن يكونوا مقتنعين أولاً وقبل كل شيء أن الغرب بطبيعته الرأسمالية استعماري وعنصري وأن كل ما يبغي من علاقته معنا هو نهب خيراتنا واستغلال موقعنا الجغرافي وإضعاف قدراتنا لصالح أعدائنا في المنطقة والعالم وتحويلنا إلى شعوب هائمة لا تلوي على شيء، وأن محاولة استرضاء هذا الغرب وإقناعه بأننا متساوون في الإنسانية لم ولن تنجح أبداً لأن عنصريته ضدنا متأصلة في نظامه الرأسمالي وفي أدبه الاستشراقي ومناهجه ونظرته الاستعلائية لنا.

والشرط الثاني الذي يتوجب أن يكون حاضراً في هذه المحاولة هو أن لا قائمة ستقوم للأمة العربية إلا بتكاتف وتحالف أبنائها وأن أي بلد عربي لن يكون قادراً على بناء قوة وطنية يحسب لها حساب أو قوة إقليمية يعتد بها، وخاصة أن ما لدى العرب من روابط لغوية وثقافية وحضارية وقيمية تؤهلهم جداً لعمل عربي مشترك يؤتي أكله بسرعه ويعود بالفائدة الجمّة على جميع المشاركين فيه.

والشرط الثالث هو الإيمان أن طريقة العمل العربي المشترك التي سادت بين الدول العربية منذ الاستقلال وحتى اليوم لم تفضِ إلى النتائج المرجوة ولم تغيّر في واقع العرب شيئاً يذكر، ولذلك لابد من التفكير بطريقة وأساليب جديدة تواكب أحدث ما توصلت إليه التجارب العالمية في هذا المجال وتستفيد من آخر التقنيات في إعادة بناء وشائج لا تخضع للمزاج أو لظروف طارئة أو لمرحلة بعينها بل تشكل مدماكاً متيناً لعلاقة مستدامة ركيزتها الأساسية مصلحة الشعب العربي والمنطقة والعالم.

بداية هذا العصر الجديد الذي أسدل الستار على كلّ ما تمّ ادعاؤه من حسنات الديمقراطية الليبرالية الغربية وأظهر للمرة الألف أن حياة ومصالح الشعوب لا تعني لهم شيئاً، تستوجب ضمانة متانة البنية الداخلية والتعاون الإقليمي والدولي على أسس مشتركة ومنظومات قيم استخلصتها هذه الشعوب بحسها السليم من تجاربها وتاريخها وقررت أن ترسي أسسها وتعتمدها أسلوب عمل وحياة للأجيال القادمة تضمن لها السيادة والكرامة والاستقلال الحقيقي.

ولا شك أن العالم كله متعطش لهكذا بداية ولكنها تحتاج إلى الجرأة والعمل الدؤوب والإيمان المطلق بأن هذا التوجه هو الممر الإجباري لكوكب يعمّه الخير والسلام.