لم يلق تحذير وزارة التربية للمدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة  القاضي بعدم رفع الأقساط صدى أو آذن صاغية عند أصحاب تلك المدارس، لاسيما في ظل الارتفاع الجنوني في أقساط المدارس الخاصة، حيث يضرب أصحاب تلك المدارس بعرض الحائط كل القرارات والتحذيرات التربوية.

الاختباء خلف القوانين

ولأن وزارة التربية فتحت سقوف الأقساط، على اعتبار أن هناك قوانين وقرارات ناظمة حددت رسم التسجيل، وتركت الأبواب مشرعة للخدمات حسب كلام مدير التعليم الخاص بالوزارة ثنية نويصر التي اعتبرت أن الوزارة تسير وفق النواظم التربوية، فهي تحاسب على قيمة الرسوم، لكن كل مدرسة وفق تصنيفها وخدماتها المقدمة، فيحق لها وضع القسط المناسب لتلك الخدمات، ليضاف على الرسم المحدد والذي يجب ألا يتجاوز 50% بالنسبة للشريحة الأولى والتي قسطها 50 ألف، و35% للشريحة الثانية التي قسطها من ١٥١ – 250 ألف ليرة سورية، و25% للشريحة الثالثة والتي قسطها من ٢٥١ – 500 ألف ليرة سورية.

إعلان الأسعار

نويصر أكدت على عدم السماح بزيادة الأقساط إطلاقاً لباقي المؤسسات التعليمية التي أقساطها فوق خمسمائة ألف ليرة سورية، على أن تبقى تقديرات الخدمات والميزات الأخرى وأجور النقل وفق أحكام المادة ٣٧ من التعليمات التنفيذية من المرسوم التشريعي رقم ٥٥ لعام ٢٠٠٤م بإعلام المديرية المختصة وأولياء الأمور بها قبل التسجيل، وأن تكون إلزامية فيما يتعلق بالعملية التعليمية والتربوية، مشددة على ضرورة إعلان الأقساط وأجور الخدمات والميزات الإضافية بشكل بارز في لوحة الإعلانات الخاصة بالمؤسسة ومنح أولياء الأمور إيصالاً موضحاً فيه اسم المؤسسة بالمبالغ المسددة من قبلهم وبشكل مفصل تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالف منها ومساءلة المعنيين بالإشراف عليها في حال عدم إبلاغهم عنها.

وبينت نويصر أن وزارة التربية تحرص على استقرار العملية التربوية ومراعاة الظروف الراهنة والتقيد بأحكام المرسوم التشريعي رقم ٥٥ لعام ٢٠٠٤ وتعليماته التنفيذية، والتأكيد على البلاغ الوزاري رقم ٥٤٣/٣٩٦ (٨/٤) تاريخ ١٨ شباط ٢٠٢١، المتضمن التزام المؤسسات التعليمية الخاصة بالأقساط والرسوم الأخرى (أجور النقل، اللباس المدرسي، القرطاسية، المراجع الإثرائية).

أقوال بلا أفعال

كلام وزارة التربية المنمق بالتشديد على ضرورة الإعلان عن الأجور والخدمات وتوضيحها للأهالي بشكل بارز في لوحة إعلانات بالمدرسة، دفع بالبعث للقيام بجولة استقصائية على عدة مدارس خاصة من أجل “التنور” عن الأسعار، إلا أننا لم نجد ما شددت عليه التربية على الأقل المدارس التي قمنا بزيارتها..!.

والدليل الأكثر وضوحاً عن تمرد المدارس الخاصة على القرارات التربوية  أن بعض المدارس الخاصة المعروفة تقوم بالتكتم عن الأقساط من خلال برنامج الكتروني لا يمكن الدخول عليه، إلا من قبل الأهالي المسجلين أولادهم في المدرسة، حيث يتطلب وضع كود خاص وكلمة سر للدخول ومعرفة الأقساط.

ومن خلال الاستعانة بأحد الأهالي استطعنا الحصول على قائمة بأقساط صفوف الأول والثاني لغاية السادس، حيث فوجئنا بقيمة قسط الصف الخامس والذي وصل إلى مليونين وثمانمائة ألف ليرة، فما بال الوزارة عن باقي الصفوف العليا وخاصة المرحلة الثانوية.

فوضى عارمة

وبالتزامن مع الكشف عن تلك الأقساط المليونية صدرت مفاضلة الجامعات الخاصة، لنقوم بعملية مقارنة بسيطة بين قسط مدرسة خاصة في الريف وليس المدينة، وبين فرع في جامعة خاصة معروفة، ليكون الفارق لصالح المدرسة الخاصة بامتياز، وهنا يستغرب خبراء تربويون الفوضى العارمة والتجاوزات من قبل المدارس الخاصة، فهل يعقل قسط دراسة الطالب بالجامعة الخاصة أقل من قسط طالب صف خامس في مدرسة خاصة.؟!

ومع كل ما ذكر يتسابق الأهالي على تسجيل أبنائهم في القطاع الخاص رغم غلاء الأقساط التي تتصاعد بوتيرة عالية من عام إلى آخر بحجة الخدمات المقدمة والتي يلعب عليها أصحاب المؤسسات التعليمية الخاصة، كونها غير مضبوطة بالوزارة،  لاسيما أنها الخدمات المقدمة تختلف من مدرسة إلى أخرى من تدفئة ولباس وكتب وأنشطة مختلفة.

ما وراء الجدران الملونة !

إصرار الأهالي على المدارس الخاصة بحجة الخدمات يقابلها حديث صحي من أحد رؤساء دوائر الصحة المدرسية فضل عدم ذكر اسمه يكشف المستور خلف جدران تلك المدارس المزينة بأبهى الألوان والرسومات، إذ أفصح عن نسبة عالية من انتشار مرض كورونا في بعض المدارس الخاصة خلال جولة صحية على المدارس، إضافة إلى أمراض معدية بين الطلاب ولاسيما “القمل “، وكلام الطبيب يشي بأمور كثيرة وجمة لابد من الوقوف عندها وخاصة بالنسبة لأهالي الطلاب .

برستيج و”بروظة”

وفي المقابل يعتبر الكثير من الأهالي في حديثهم مع “البعث” أن حال المدارس الخاصة ليس جيداً، ولطالما يدعي أصحاب المدارس بالتجديد، إلا أن الوضع على حاله، إذ لا خدمات ولا صيانة جديدة ، بل على العكس الأمور في تراجع عند بعض المدارس وخاصة رياض الأطفال، لتشكل قضية ارتفاع الأقساط مشكلة حقیقیة بحاجة إلى حلول جذرية وقوانين تحد من جشع هؤلاء، إذ يجمع الأهالي على تراجع ملحوظ في مستوى التدريس والاعتماد على الأنشطة الترفيهية والنشاطات الرياضية  والتباهي بالقشور والمظاهر على حساب المضمون، وفق رأي الأستاذة في كلية التربية الدكتورة نسرين موشلي التي اعتبرت أن تلك المدارس تهتم بالقشور والمسابح والملاعب والمسرح والفرق الفنية الترفيه والرحلات، ولا تبحث عن كيفية تطوير التعليم،  فالطالب في المدارس الخاصة يتحدث عن الأنشطة اللاصفية بعيداً عن جوهر التعليم وربطه بسوق العمل والتخصصات التي يحتاجها المجتمع، موضحة أن ظاهرة التعليم الخاص من دون ضوابط  هي إشكالية في النظام التعليمي، حيث باتت كنوع من الموضة المجتمعية، والتي تتنافس فيها العائلات الثرية لإثبات الوجود من باب ما يسمى بالعامية “البروظة”، والتغني بأسماء مدارس خاصة لديها قوة بالإعلان والتسويق مما سبب خللاً اجتماعياً تربوياً.

التفوق لم يشفع

والمستهجن أكثر أن تفوق المدارس الحكومية في نتائج الشهادتين لم يشفع  عند عدد كبير من الأهالي، وذلك بإصرارهم على تسجيل أبنائهم في المدارس والمعاهد الخاصة رغم استغلال تلك المدارس الخاصة والمزاجية في عملية قبول تسجيل الطالب والانتقاء المزاجي وفق درجات عالية جداً رغم مخالفة التعليمات الوزارية التي لا يوجد فيها بند يجيز لهذه المدارس تسجيل الطلاب وفق درجات محددة تضعها إدارات المدارس الخاصة.

ويوضح خبراء تربويون أن الغاية الأساسية لفرض هذه الشروط من المدارس الخاصة كي تتباهى بطلابها المتفوقين في نهاية العام وتنسب التفوق للمدرسة، متجاهلة أن الطلاب المسجلين من المتفوقين أساساً قبل التسجيل لديهم، معتبرين أنها طريقة احتيال على الأهالي والطلاب من أجل عملية تسويق لمدارسهم ومعاهدهم، وتحقيق اسم على حساب جهد الطلبة.

شرخ تعليمي

ورغم هذا الخلل يأتي رأي مختصين  بالشأن التربوي أن المدارس الخاصة تفوقت على المدارس الحكومية التي عجزت عن مجاراتها، على الرغم من أن التعليم حظي على مر السنوات بالاهتمام والرعاية حيث كفل الدستور حق التعليم لكل مواطن بشكل إلزامي ومجاني في مراحل التعليم الأساسي، إلا أن الزيادة السكانية والتطورات التربوية العالمية وعدم قدرة المدارس الحكومية العامة بإمكانياتها القليلة على مجاراة التغيرات التربوية، فرض ظهور مدارس خاصة إلى جانب المدارس الحكومية العامة، حسب تأكيدات الدكتورة موشلي التي أشارت إلى انتشار المدارس الخاصة بشكل كبير في جميع المحافظات ولكافة المراحل الدراسية (رياض أطفال، تعليم أساسي)، وازداد الطلب عليها بشكل ملحوظ، نظراً للامتيازات التي تقدمها مقارنة بالمدارس الحكومية العامة، من حيث البناء والتجهيزات والتقنيات الحديثة (وسائل التعليم) وطول ساعات الدوام بما يناسب الأمهات العاملات وتوفر النقل…إلخ ، الأمر الذي انعكس سلباً على رضا الأهل عن التعليم في المدارس الحكومية العامة، وأدى لحصول شرخ بين المدارس العامة والخاصة التي تقدم امتيازات لا تستطيع المدارس الأخرى تقديمها، مشددة على أهمية البحث عن حلول لهذا الخلل لتكون من أولويات وزارة التربية، فليس الجميع لديهم القدرة على تحمل أقساط المدارس الخاصة، واستمرارية هذا قد يؤدي لخسارة قطاع التعليم العام هيبته والقبول المجتمعي، وفق الدكتورة موشلي.

علي حسون- البعث