على رغم السلاسة التي رافقت تنفيذ المرحلتَين الأخيرتَين من عمليات ترحيل رافضي التسوية من مدينة درعا إلى الشمال، قلَبت «اللجنة المركزية»، المُمثِّلة للمسلّحين، الطاولة على الجميع، بإعلانها فشل المفاوضات ودعوتها إلى «النفير العام»، في وقت تزايدت فيه مؤشّرات إطلاق الجيش السوري عملاً عسكرياً واسعاً في المنطقة

عاد الحسم العسكري ليبدو الخيار الأوّل، وربّما الأوحد، أمام الجيش السوري لحسم ملفّ درعا البلد، بعد منْح دمشق «اللجنة المركزية» المفاوِضة باسم المسلحين عدّة فرص، من دون أن تتمكّن الأخيرة من تنفيذ الاتفاق بشكل كامل، واستمرار تعثّر التنفيذ في المراحل الأولى. وفي التفاصيل، فإن الاجتماعات الثلاثة الأحدث بين «المركزية» واللجنة الأمنية والعسكرية الحكومية، شهدت طروحاً جديدة حمَلها المفاوض عدنان المسالمة من الأولى، تمثّلت في القبول بجميع البنود التي طرحتها الحكومة السورية والجانب الروسي، باستثناء دخول وحدات الجيش النظامية، والاكتفاء بعناصر «الفيلق الخامس» التابعين لأحمد العودة، قائد «لواء التسوية» في الريف الشرقي، والمعروف بـ«اللواء الثامن».

لكنّ اللجنة الحكومية رفضت المقترح المذكور رفضاً قاطعاً، ليعقب ذلك إعلان المسلّحين سريعاً النفير العام بعد فشل المفاوضات. وشهد اليوم نفسه تصعيداً عسكرياً كبيراً، تمثّل في قصف عنيف واشتباكات متقطّعة على ثلاثة محاور بين الجيش والمجموعات الرافضة للتسوية، قرب دوّار الكازية شرقي درعا البلد، والبِحار إلى الجنوب منها، والقبّة شرقي طريق السد.

ويعلّق رئيس «لجنة المصالحة» في درعا، حسين الرفاعي، على ما جرى قائلاً: «ذاهبون نحو الحلّ العسكري، لأن الطرف الآخر أعلن انهيار المفاوضات، وعليه لا رجعة إلى الطاولة إلّا مع الاستجابة لبنود التسوية الأساسية»، مشدداً، في حديث إلى «الأخبار»، على أن «أيّ تهدئة مرتبطة بالقبول التامّ لشروط اللجنة الأمنية».

ويَنظر المسلّحون إلى أرياف درعا كـ«بيضة القبّان»، التي ستقلب الموازين العسكرية على الأرض، كما جرى في نهاية تموز الماضي، حيث تَحرّك مسلحو الريف الغربي وهاجموا مواقع الجيش وأسروا عدداً من عناصره، لكن هذه المرّة، بحسب المصادر العسكرية، «بات الأمر أصعب على المسلّحين، فالجيش تمكّن من استقدام مئات الآليات والجنود إلى الريفَين الشرقي والغربي، مع تعزيز التحصينات على التلال الاستراتيجية في الريف الشمالي».

وتجلّى ذلك بوضوح في بلدة المسيفرة، قبل يومين، عندما حاول مسلّحو التسوية التابعين لأحمد العودة، إطلاق النار على عناصر الحاجز الرباعي، ما استدعى ردّاً مباشراً من عناصر الحاجز، أدّى إلى مقتل كامل أفراد المجموعة المهاجِمة. وعلمت «الأخبار» أن «قيادة الجيش السوري أثنت على أداء العناصر، ومنحتهم مكافآت ماليّة، لسرعتهم وحزمهم في التعامل مع الهجوم».

لكن بعض الجهات ووسائل الإعلام عمدت إلى الترويج بأن «الإيرانيين وجّهوا ضربة للروس على الحاجز الرباعي»، إذ إن المجموعة المقتولة تتبع في النهاية الشرطة العسكرية الروسية، الأمر الذي تنفيه مصادر الجيش السوري، مؤكدة أن «ما حصل طبيعي وتلقائي، والعودة ومسلّحوه لطالما تجاوزوا حدودهم، والجيش بإمكانه إن أراد أن يوقفهم عند حدّهم، وكذا حصل». وبالإشارة إلى أحمد العودة، فإنه، ومِن خَلفه نائبه علي باش، حاولا فرض نفسَيهما على المشهد في درعا، كأبرز المقرّبين من الوسيط الروسي.

ولم يخفِ العودة، طوال الفترة الماضية، رغبته في أن يكون طرفاً فاعلاً في أيّ اتفاق يُبرم مع الدولة السورية، ما يمنحه الفرصة للظهور أمام أهل المنطقة الجنوبية بمظهر «المنقذ» الذي حمى درعا البلد وأهلها من العمل العسكري. وهنا، استفادت الحكومة السورية من درس تسوية عام 2018، حيث كان للعودة دور بارز كرّسه طرفاً أساسياً في درعا، لتعمل اليوم على تحجيم دوره في المفاوضات الحالية، وتؤكد أن خارطة الطريق نحو الحلّ هي ما اتّفقت عليه مع الروس، والذي ينصّ على رفع العلم السوري ودخول وحدات الجيش حصراً، لا مسلّحي العودة، أو غيرهم من مسلّحي التسويات.

من جهة أخرى، قد يلجأ المسلحون في درعا إلى استغلال ما يربطهم من صلات عشائرية مع أهالي محافظة القنيطرة، كما فعلوا في المعارك ما قبل تسوية 2018، لكن هذه المرّة لا تبدو تلك الصلات ورقة رابحة، بحسب عضو «لجان المصالحة» في القنيطرة سابقاً، هناء السيد، التي أشارت، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن «هذا الموضوع كان من العقبات الأساسية أمام إنجاز المصالحة في الجنوب، بسبب سطوة مجموعات درعا على قرار نظرائهم في القنيطرة، لكنّ الأمر اختلف اليوم عن ما قبل 2018، لأن الجيش السوري أنشأ علاقات وثيقة مع الأهالي لضبط الأمن، ومنع امتداد أزمة درعا إلى جوارها، وهذا ما سيحول بالتأكيد دون تمدّد تصعيد درعا».

الأخبار_ جعفر ميا