قبل حوالى أحد عشر عاماً، أعلن ديمتري ميدفيديف، وكان حينها رئيساً لروسيا، أن بلاده تدرس إمكانية إنشاء «محطة نووية» لإنتاج الكهرباء في سوريا. لكن دخول البلاد في أتون الحرب، أوقف على ما يبدو المشروع الروسي. ومع اشتداد أزمة الكهرباء التي تعيشها البلاد حالياً، يعود هذا المشروع إلى الواجهة من بوّابة التساؤل عن إمكانية إعادة إحيائه، والخيارات المتوافرة بدلاً منه.
حيرة ما بعدها حيرة، تلك التي تنتاب السوريين في تعاملهم مع وضع الكهرباء في بلدهم. فالمنظومة التي تعرّضت في أجزاء واسعة منها للتخريب والنهب بفعل سنوات الحرب، تمكّنت، خلال فترة زمنية قياسية، من العودة إلى الخدمة مجدّداً، في جميع المناطق التي استعادت السلطات سيطرتها عليها، على رغم تبعات الحصار وعوائقه، وهو ما زاد عدد المستفيدين من الكهرباء خلال السنوات الثلاث الممتدّة من 2016 ولغاية 2019، من 2.8 مليون إلى 4.2 ملايين. لكن هذه المنظومة نفسها تبدو اليوم، مع تغيّر الظروف العامة وتحسّن الوضع الأمني، عاجزة عن إدارة إمدادات الطاقة الكهربائية بنجاح، كما فعلت في السنوات التي مثّلت أعلى درجات التهديد، لا سيما عندما تمكّن تنظيم «داعش» من وضع يده على معظم حقول النفط والغاز في المنطقتين الشرقية والوسطى.
وفي تفسيرهم لذلك العجز، لا يتوقّف المهتمّون بشؤون الطاقة عندما يرتبط بالمنظومة الكهربائية من تجهيزات ومعدّات لنقل الطاقة الكهربائية وتوزيعها؛ إذ إن تلك التجهيزات يمكن استيرادها بطريقة أو بأخرى أيّاً كانت شدّة الحصار، بدليل أن وزارة الكهرباء استطاعت مثلاً، خلال السنوات الثلاث المذكورة، إعادة تأهيل 72 محطة تحويل، و7259 مركز تحويل، و5900 كم من شبكات التوزيع. لكن ما تعانيه سوريا اليوم ليس سوى انفجار لمشكلة قديمة تتعلّق بزيادة الطلب على الطاقة، بحسب ما يشير إليه الباحث في شؤون الطاقة، زياد عربش. وهذا ربّما ما جعل دمشق تفكّر جدّياً، مع نهاية العقد الأول من القرن الحالي، بالتوجّه نحو استخدام الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء، وفق ما كشفه الرئيس الروسي السابق، ديمتري ميدفيديف، خلال زيارته دمشق في أيار من عام 2010، حيث أعلن أن موسكو تدرس بناء محطّة كهرباء نووية في سوريا، ثمّ جاءت وثيقة نشرتها «الوكالة الدولية للطاقة الذرّية» في عام 2011، لتُظهر أيضاً أن «سوريا تدرس بناء أولى محطاتها النووية بحلول عام 2020، لتلبية الطلب المتسارع على الكهرباء».
عملية مكلفة ومعقدة
لكن مشروع المحطّة النووية الروسية، والذي كان حاضراً على أجندة الحكومة قبل عقد ونيّف، لا يبدو أنه سيُكتب له أن يبصر النور على المدى القريب، وربما المتوسّط أيضاً، وذلك لسببين: الأوّل متعلّق بالتكلفة العالية التي باتت سوريا بفعل الحرب وأضرارها الكارثية عاجزة عن تحمّلها، إذ بحسب ما يذكر خبير حكومي في مجال الكهرباء، فإن التوجّه نحو استخدام الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء يمثّل عملية مكلفة ومعقدة جداً، حيث تبلغ مثلاً تكلفة الكيلو واط المركّب من المحطة الكهرونووية حوالى 5 آلاف دولار، وهو رقم كبير جداً مقارنة بالإنتاج التقليدي لبلد كسوريا. أمّا السبب الثاني، فيتمثّل في موقف الدول الكبرى المعنيّة باستخدامات الطاقة النووية، والتي لا تزال إلى الآن تعارض أيّ مساهمة دولية في عملية إعادة الإعمار، وتالياً فهي ستكون رافضة بحزم لأيّ توجّه سوري نحو الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، متذرّعة بحجج كثيرة، أهمّها عدم الثقة بحقيقة النوايا السورية من مشروع كهذا، في ظلّ حضور العامل الإسرائيلي، والمخاوف المرتبطة بأمن تلك المنشآت.
يُضاف إلى ما تَقدّم أن المشروع يبدو أيضاً مؤجّلاً، حتى بالنسبة إلى حلفاء دمشق. فما كان ممكناً قبل عام 2011، لم يَعُد كذلك بعد عقد ونيّف من حرب مدمّرة وعقوبات غربية خانقة. وهذا لا يقتصر على مشاريع الحلول التي باتت تنتشر إقليمياً لتلبية الطلب على الكهرباء، وإنما يشمل، ولو مؤقتاً، إعادة إعمار البنية التحتية للقطاع بشكله التقليدي. وبحسب ما يذكر الدكتور سنان علي ديب، رئيس «جمعية العلوم الاقتصادية» في اللاذقية، فإن «من المؤكّد أن مسيرة الدول الصديقة بعد قانون قيصر لا تدلّ على وجود نوايا كهذه، فإعادة إعمار البنى التحتية لقطاع الكهرباء بحاجة إلى جهود تلك الدول ومساعدتها، ولكن ما نراه اليوم أن هناك تباطؤاً، وأحياناً تمنّعاً في ظل الظروف الراهنة والتعقيدات الإقليمية والتغيرات العالمية». ويضيف، في تصريح إلى «الأخبار»، أنه على «رغم حاجة تلك الدول استراتيجياً إلى سوريا، إلا أن هناك عراقيل، وأحياناً هذه العراقيل تكون محلية، فضلاً عن أسلوب تعاطي الدول مع عملية إعادة الإعمار».
مزيدٌ من الغاز
في ضوء ذلك، فإن الخيارات السورية في معالجة أزمة الكهرباء القائمة حالياً، تبدو محصورة في ثلاثة محاور أساسية:
الأول، وهو الأكثر ضرورة اليوم، يتمثّل في العمل على توسيع عمليات الاستكشاف والتنقيب عن الغاز وتسريعها، بغية سدّ جانب من الفجوة المتشكّلة بين الطلب على الغاز من قِبَل محطات توليد الكهرباء، وبين المتاح حالياً، وذلك ريثما تتمكّن دمشق من استعادة السيطرة على حقولها النفطية والغازية في منطقة الجزيرة. ووفقاً لبيانات وزارة الكهرباء، فقد شهدت كميات الغاز الواصلة إلى محطات التوليد تراجعاً منذ عام 2020، حيث بلغ معدلها الوسطي حوالى 11.4 مليون متر مكعب، مقابل 13 مليون متر مكعب في عام 2019، ومثلها تقريباً في عام 2018، علماً أن نسبة الإنتاج الكهربائي المعتمد على الغاز بلغت في العام الماضي حوالى 69%، في حين أن نسبة الإنتاج الكلي المعتمد على الفيول أو المازوت كانت حوالى 31%.
المحور الثاني، يتعلّق بالعمل على تطوير محطّات التوليد الموجودة وإعادة تأهيلها وبناء محطات جديدة، حيث تؤكد البيانات الرسمية أن القدرة الحالية للمحطات القائمة، وفقاً لوضعها الفني وكميات الغاز المتوافرة في عام 2020، بلغت حوالى 4382 ميغا واط، وهي تشكّل بذلك حوالى 52% من الاستطاعة الكلية لتلك المحطّات التي مضى على استثمار بعضها عدة عقود من الزمن. وبحسب الخطة الحكومية المعلنة، فإن هناك ثلاثة مشروعات قيد التنفيذ هي: مشروع التوسّع الثاني لمحطة دير علي، ومشروع محطة توليد اللاذقية، ومشروع توسّع محطة توليد تشرين البخارية، وهناك مشروع لإعادة تأهيل محطة حلب الحرارية بقيمة 14.6 مليون يورو بالتعاون مع شركة إيرانية، إضافة إلى مشروع بناء ثلاث محطات توليد جديدة هي: محطة توليد حلب باستطاعة 2*300 ميغاوات، ومحطة توليد دير الزور باستطاعة 300 ميغاوات، ومشروع محطة توليد في حلب أيضاً (مجموعة بخارية) باستطاعة 300 ميغاوات.
أمّا المحور الثالث، فهو خاص بمحطّات الطاقات المتجدّدة الداعمة لمحطات التوليد التقليدية. وفي هذا المجال، ثمّة ثلاثة مشروعات حكومية هي: مشروع توسيع محطة توليد بالطاقة الشمسية في منطقة الكسوة في ريف دمشق باستطاعة 1.6 ميغاوات، ومشروع إنشاء محطة توليد بالطاقة الشمسية في جندر باستطاعة 30 ميغاوات، ومشروع إنشاء محطة توليد بالطاقة الشمسية في حلب باستطاعة 33 ميغاوات. هذا إضافة إلى مشروعات الطاقات المتجدّدة التي بدأ القطاع الخاص بتأسيسها لتأمين احتياجاته من الطاقة الكهربائية، لا سيما في المناطق الصناعية، والبداية كانت من مدينة عدرا الصناعية.

الاخبار اللبنانية