هند الضاوي-القاهرة 

كان كبار المسؤولين السوريين يُصرّون في خلال لقاءاتنا الدمشقية معهم  بينما رحى الحرب تدور وتقتل البشر وتدمّر الحجر، على إنهم يدفعون ثمن رفض مد خطوط الغاز القطرية  إلى تركيا ” نابوكو”  ومنها إلى أوروبا محبة واحترامًا للحليف الروسي الذي اعتمد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي على الغاز كأهم مراكز قوته في العالم بعد انهيار العسكرية والاقتصادية .

وقد فصل بين انهيار الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى و اتفاق كيوتو- الاعتماد على الغاز بدل النفط ومشتقاته حفاظًا على البيئة- سنوات قليلة .. وهو ما  فرض قيودًا على أكبر الدول الصناعية في العالم  وأسس لمستقبل الغاز كبديل عن الطاقة النفطية التقليدية.

 
كانت قطر تريد بالتنسيق من الحليف الغربي وتحديدًا الولايات المتحدة الاميركية مد أنابيب الغاز من أراضيها عبر السعودية وسوريا باتجاه تركيا وصولا الى الدول الاوروبية حتى لا تترك اوروبا فريسة للروسي والذي يمكن أن يستخدم الطاقة لاختراق القرار السياسي الأوروبي..

أما السعودية فقد تنبهت مؤخرًا بعد أن أبدت حينها موافقة مبدئية الى  أن قوة الغاز ربما تستقطع من قوة أوبك  فانسحبت من المشروع  الذي لا يمكن أن يتم إلا عبر أراضيها.

كان الغاز الإيراني مرشح للمشاركة مع قطر عبر تركيا لتغذية أوروبا ما ينعكس إيجابيًا على العلاقات بين هذه الاطراف..  وهذا وحده كافيًا  لوأد السعودية الفكرة في مهدها.  .

 بعد اكتشاف احتياطات الغاز في شرق المتوسط تغيرت موازين القوى نتيجة تغير خارطة الطاقة العالمية.. فأسرعت روسيا لعقد اتفاقات مع تركيا بغية مد الغاز الروسي إلى أوروبا مستغلة مساعدتها لرجب طيب أردوغان في كشف الانقلاب ضده، وثبوت تورط  الرئيس باراك أوباما وإدارته من خلال فتح الله جولن بالعبث بمستقبل الرئيس التركي ونظامه، وفي دعم الكُرد السوريين وتسليحهم. وتزامن ذلك مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وشعور فرنسا والمانيا بأنانية الثنائي امريكا/بريطانيا على حساب مصالح أوروبا.

 
أدت كل هذه المعطيات الى عقد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل اتفاقا مع موسكو لاستيراد الغاز الروسي عبر  بحر البلطيق “السيل الشمالي” التركي، الأمر الذي واجه  سدًا أمريكيًا منيعًا عرقل استكمال مشروع  ” نورد ستريم٢”.

 في مقابل ذلك، بدأت واشنطن البحث عن بديل يضئ أوروبا ويغلق الأبواب أمام الغاز الإيراني في ” سوريا/لبنان/العراق”، وأمام الغاز الروسي في “أوروبا”.. وهنا ظهر احتياطي شرق المتوسط وتحديدًا الإسرائيلي والتركي.. لكن الخلاف بين قبرص واليونان من جانب وتركيا من جانب أخر عرقل تحقيق أحلام واشنطن البعيدة عن القاهرة  .

ومن منطلق أن  الرياح تأتي دائما بما لا تشتهي السفن الأمريكية الشاردة .. تعجلت واشنطن في الانسحاب من افغانستان ما أربك المشهد برمته ودفع إدارة جو بايدن الى محاولة سد الثغرات أمام منافسيها الكبار .. قرأت مصر المشهد مبكرًا واستطاعت في ذلك الصراع المحتدم والإرباك غير المنظم التمهيد لمحور عربي متكامل يعتمد على قوى الشرق التقليدية ” مصر/العراق/سوريا” ، وبات على  الأمريكي أن يقبل بمحور عربي مستقل أو بنفوذ روسي /صيني يمتد على طول الوطن العربي وعرضه..

 
 هذا يوضح لماذا وافقت واشنطن على استجلاب الغاز المصري عبر سوريا إلى لبنان رغم قانون قيصر.

 
أما سوريا، ورغم علاقتها بكلٍ من روسيا وإيران، فإنها وبعد سنوات الحرب  واستغلال ضعفها من قّبل الصديق والشقيق قبل العدو جعلها تبحث عن فرص استعادة سياداتها كاملة وأن تتخلص من صراع النفوذ على أراضيها خاصة بعد انخفاض صوت البنادق .. فضلًا عن أهمية العائد المادي مقابل العبور لصالح خزينة الدولة السورية .واصلاح أنابيب النفط والغاز التي دمرتها الحرب أو الإرهاب.

أما حزب الله في لبنان، فهو يفضّل الخيار الإيراني لإنارة لبنان على المصري، وهذا ما يطرح تحديا واضحا واختبارا جدّيا لقوة الدولة السورية وحرية خياراتها خصوصا أن الميليشيات المدعومة من إيران كثيرة على أراضيها. كذلك فإن الجانب  الروسي لن يمرر الملف مرور الكرام خشية الاّ يتوقف خط الغاز العربي في لبنان  مع بداية تلطيف الأجواء بين القاهرة وأنقرة ..

لذلك يجب الانتباه الى أن التحديات  التي تواجه خط الغاز العربي أكبر من الحديث عن بنية تحتية ومد أنبوب وتوليد كهرباء، فهذه أمور يُمكن أن  يتم انجازها في أسابيع قليلة من قِبَلِ  شركة مصرية واحدة. الرهان هو استراتيجي وليس تقنيا.

لعبة الأمم