مدوفوعَين بنتائج استطلاعات مقلقة تُظهر تراجع شعبيّتهما إلى مستويات قياسية، يبحث حزبا «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية» تعديل النظام الانتخابي، بما يتيح لهما تحسين أدائهما في الانتخابات النيابية المرتقبة بعد عامين. لكن الرئيس رجب طيب إردوغان لا يزال يتعامل بحذر شديد مع مقترح شريكه، كونه يستبطن مخاطرة كبيرة قد لا تفضي إلى التوقّعات المأمولة من قِبَل دولت باهتشلي

على رغم القضايا الخارجية الساخنة التي تواجه تركيا، مثل الوضع في أفغانستان، ومحاولات تطبيع علاقاتها مع كلّ من مصر والإمارات والسعودية، إلى جانب تبادل الانتقادات مع سوريا، إلّا أن الرأي العام التركي يُعير اهتماماً أكبر بكثير للقضايا الداخلية، ولاسيما الاقتصادية التي تطال دخله ومعيشته، وتالياً شؤونه السياسية الداخلية. وإذ تكثر في تركيا شركات استطلاع الرأي المتعدّدة المشارب والأهواء، فإن ما يميّز استطلاعاتها في الأشهر الأخيرة، أنها تكاد تُجمِع على تراجع شعبيّة حزب «العدالة والتنمية» وشريكه حزب «الحركة القومية» (بزعامة دولت باهتشلي)، الذي لم يكن للرئيس رجب طيب إردوغان ليتمكّن من الفوز في آخر انتخابات رئاسيّة ونيابية عام 2018، من دون التّحالف معه.

تبيّن أحدث استطلاعات الرأي تراجع «العدالة والتنمية» إلى مستويات قياسية (أ ف ب )

وتبيّن أحدث استطلاعات الرأي تراجع «العدالة والتنمية» إلى مستويات قياسية. ومن بينها، مثلاً، استطلاع أجرته شركة «يون أويليم الاجتماعية» على عيّنة من 3040 شخصاً في 27 محافظة، ليَظهر، بعد توزيع أصوات المتردّدين، حصول الحزب على 31.5% من الأصوات، يليه حزب «الشعب الجمهوري» بـ27.1%، ومن ثمّ «الحزب الجيّد» - شريك «الشعب الجمهوري» - بـ14.7%، و«الشعوب الديمقراطي» الكردي بـ10.3%، فيما بقي «الحركة القومية» تحت عتبة الـ10% اللّازمة للنجاح، حاصداً 8.2% من الأصوات فقط. بدروهما، حصل حزبا أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان مجتمعَين على 2.3% فقط، وذهبت نسبة 1.1% لحزب «السعادة». واللّافت أن نسبة مَن لا يريدون أبداً إعطاء أصواتهم لإردوغان بلغت 56.9%، في مقابل 32.6% يعتزمون التصويت للرئيس الحالي. ولدى الإجابة على سؤال: لمَن سيعطي المواطن صوته في الانتخابات الرئاسية؟ اختارت نسبة 50.4% مرشّح المعارضة، و34.7% إردوغان. وعلى هذا المنوال، جاءت نتائج استطلاعات معظم الشركات، لتدقّ ناقوس الخطر في جبهة إردوغان ــ باهتشلي اللّذين اجتمعا، قبل أيّام، للتباحث في التطورات الانتخابية، فيما حسم هذا الأخير مسألة خفض حاجز الـ10% إلى 7% مطلع العام المقبل، جنباً إلى جنب تعديلات دستورية أخرى، علماً أن ذلك يتطلّب، تبعاً لخريطة المقاعد النيابية، توافقاً حتميّاً مع المعارضة.
عَرف النظام السياسي التركي، منذ عام 1980، العديد من التغييرات في ما يتعلّق بقانون الانتخابات، القاعدة الأهمّ لتحديد طبيعة السلطة السياسية. ولعلّ أهمّ تغييرٍ جاء عبر تعديل عام 2007، والذي أقرّ انتخاب رئيس الجمهورية مباشرةً من قِبَل الشعب، وليس البرلمان، ثمّ جاء التعديل الدستوري لعام 2017، ليلغي النظام البرلماني وينقل تركيا إلى نظام رئاسي. لكن النظام الانتخابي الخاص بالمجلس النيابي لا يزال تقريباً على حاله منذ 1980، إذ يحظى بند اشتراط حصول أيّ حزب نسبة 10% على الأقلّ لدخول البرلمان، على اهتمام دائم منذ 40 عاماً.
يسعى حزب «الحركة القومية» إلى تعديل النظام الانتخابي برمّته ليتكيّف مع مصلحته
وهذا ما بدأت مناقشته في الأسابيع الماضية، ولاسيّما بين الحزبَين الحليفَين، «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، اللّذين بدأ تراجع احترامهما لدى قواعدهما يظهر بوضوح، وفق الكاتب مراد يتكين. وإذا كان «بقاء حزب في السلطة لا يحتاج إلى محبة الناس، بل إلى احترامهم»، بحسب ما قاله مكيافيللي، فإنه «إذا فُقِد هذا الاحترام فَقَد الحزب قوّته وسلطته». لكن التحالفات بين الأحزاب كفيلة بأن تُبقيها في البرلمان، على رغم أن بعضها يرفض الظهور بمظهر أنه دخل المؤسّسة التشريعية بفضل حزب آخر أكبر منه، وهو ما ينطبق خصوصاً على «الحركة القومية» السّاعي إلى تعديل النظام الانتخابي برمّته ليتكيّف مع مصلحته، ومن ذلك إلغاء الدوائر الموسّعة واعتماد دوائر ضيّقة أو أضيق من الحالية، ولكن على قاعدة الأكثرية وليس النسبية المعمول بها حالياً. وإذا ما حصل هذا، فستكون المرّة الأولى، منذ عام 1980، التي تتغيّر فيها نسبة النجاح المطلوبة، كما شكل الدوائر الانتخابية. وينبع إصرار «الحركة القومية» على هذا النمط الانتخابي الجديد، من كونه سيؤمّن له ولشريكه عدداً أكبر من المقاعد البرلمانية، قد يصل إلى 400 مقعد من أصل 650، على رغم أنه قد يحصل، كتحالف مع «العدالة والتنمية»، على نسبة أصوات أقلّ من عدد النواب الذي سيحصل عليه، أي أنّه إذا كان سيحصل افتراضاً على نسبة 51% من الأصوات، فسيحصل عملياً على 65% من المقاعد. لكن «العدالة والتنمية» قد يرى في الاقتراح المتقدّم مخاطرة كبيرة. إذ إنه في حال استمرّ نزيف التأييد له، فقد يرى نفسه في الموقع الثاني في دوائر كثيرة، فلا تصيب توقّعات حليفه. لذا، يقارب الحزب الحاكم بحذرٍ شديد نظام الدوائر الضيّقة، بما لا يؤذي أيضاً تحالفه مع «الحركة القومية».
وإذا كانت نتائج العديد من الاستطلاعات تواجَه بالشكّ من جانب حزب «العدالة والتنمية»، فقد جذب الكاتب المقرّب من الحزب، محمد آجيد، انتباه العديد من المتابعين، بعدما كشف عن استطلاع رأي أجرته شركة «كونسينسيس»، في أواخر آب الماضي، على عيّنة من 1500 شخص (نَشرت نتائجه صحيفة «يني شفق» المؤيدة لإردوغان). وفي الاستطلاع، أيّد 57.4% من المستطلَعة آراؤهم إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في موعدهما بعد سنتين، فيما دعا 42.6% إلى إجراء انتخابات مبكرة. ورجّح 69.8% عدم إجراء انتخابات مبكرة، مقابل 30.2% قالوا بخلاف ذلك. وهذا يعني أن قسماً كبيراً من المعارضة، لا يقلّ عن 20%، لا يريد انتخابات مبكرة، ويعني أيضاً أن الشعب لا يزال يعطي السلطة القائمة فرصة لإيجاد الحلول. لكن السؤال المثير الذي ورد في الاستطلاع، ونُشر في صحيفة حزب السلطة، هو عمّا إذا كانت تركيا تُدار بصورة جيّدة أم لا؟ وكانت النتائج أن 29.5% يرَون أن البلاد تُدار بصورة جيّدة، فيما ترى نسبة 30.3% أنها تُدار بصورة سيّئة. وعمَّا إذا كان يجب خفض نسبة الـ10% اللّازمة لدخول البرلمان، يرى 53.6% ضرورة خفض الحاجز، فيما يؤيّد بقاء هذا الشرط 56.4%، وهي نسبة، برأي محمد آجيد، ليست قليلة، أي أن الصورة السلبية عن الحاجز ليست بهذا القدر السيّئ الذي يحاول البعض إظهارها. ويظهر من الاستطلاع أن اهتمامات المواطن داخلية أكثر منها خارجية، إذ يهمّ المواطنين من القضايا: البطالة والتّضخم وغياب العدالة في توزيع الثروة. ويرى الكاتب أنه في حال عالجت السلطة بنجاح هذه القضايا خلال العام المقبل، فإنها ستذهب إلى الانتخابات في موعدها عام 2023، وهي مرتاحة للنتائج.

الاخبار اللبنانية