وأنا أبحث عن الأسباب التي تحول من دون تشغيل وزارة الكهرباء لمحطات التوليد العاملة على الفيول، لاسيما وأن كميات الفيول الموجودة لدى وزارتي الكهرباء والنفط كبيرة، تذكرت ما قاله لي الدكتور محمد العمادي قبل حوالي 12 عاماً، أثناء محاولتي كتابة قصة صحفية عن تكوين الاحتياطي السوري من القطع الأجنبي.
آنذاك تمنى العمادي أن يستثمر جزء من الاحتياطي الأجنبي الموجود في تأسيس مشروعات استثمارية كبرى تحتاجها البلاد، وأذكر أنه طرح أمثلة على ذلك كبناء محطات توليد كهربائية وإنشاء مصاف نفطية.
اليوم نحصد نتائج عدم الأخذ بمثل تلك الاستشارات والاقتراحات، فالبلاد دخلت الأزمة بمحطات توليد كهربائية يبلغ عمر بعضها ثلاثة إلى أربعة عقود من الزمن، وبمصفاتين للنفط متقادمتين لا يكفي إنتاجهما حاجة البلاد... لا في زمن الحرب، ولا حتى في زمن السلم.
وكي تكتمل مأساتنا أكثر، فإن الاحتياطي الذي كنا نتفاخر به ونرفض استثماره بمشروعات كبرى جرى التصرف بجزء ليس بالقليل منه خلال السنوات الأولى من عمر الأزمة، وتحديداً في زمن حكومة وائل الحلقي، إما بحجة التدخل الإيجابي في سوق الصرف تارة، أو بحجة تأمين احتياجات البلاد من السلع والمواد المستوردة وبأسعار عالية تارة أخرى!
لننظر إلى الأمر من زاوية المصالح الاقتصادية الوطنية، فتراجع كميات الكهرباء المنتجة وعجزها عن تلبية احتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية في البلاد تسبب بفوات منفعة اقتصادية كبيرة على البلاد، وبخسائر مباشرة يمكن تلمسها من خلال تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، توقف حرف ومهن كثيرة، وما يعنيه ذلك من ارتفاع معدل البطالة، زيادة الفقر.. الخ
وأعتقد أن حجم الخسائر تلك، سواء قبل الأزمة أو خلالها، يفوق بأضعاف ما كان يمكن إنفاقه من الاحتياطي على إقامة محطة توليد كهربائية أو مصفاة نفط... هذا علاوة على التأثيرات الاجتماعية المتعددة!
صحيح أن كل هذا أصبح من الماضي، لكنه يفترض أن يكون درساً قاسياً نتعلم منه التفكير بشكل عقلاني لمواجهة المشكلة الحالية من دون أن نرتكب أخطاء جديدة، أو ندخل في مشروعات فد يتبين لاحقاً أنها غير مجدية مستقبلاً أو لا تلبي احتياجاتنا المختلفة..
بمعنى آخر.... يجب ألا يكون القرار اليوم حيال مثل هذه المسائل حكراً على وزارات ومؤسسات كانت جزءاً من المشكلة بأشكال مختلفة، وتالياً لا يمكن الوثوق بإجراءاتها واستراتيجياتها.
ولدينا من الخبرات والكفاءات المتخصصة، داخل البلاد وخارجها، ما يكفي لوضع رؤية موضوعية ومتطورة لحل مشكلاتنا الكثيرة، التي بات جل طموحنا حالياً أن يتم وقف توسعها وتعمقها المخيفين!

فينكس