قبل أسبوع قالت صحيفة ” تركيا غازيتسي”، إن ما وصفته بـ”اللقاء التاريخي” سيعقد بين رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، ورئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك، في العاصمة العراقية بغداد.
ونقلت الصحيفة، في تقرير لها، على لسان رئيس دائرة المخابرات العسكرية التركية الأسبق، “إسماعيل حقي بكين”، قوله “إن اللقاء الذي سيعقد في بغداد هو بداية لعملية جديدة”.
وأشار بكين إلى أن العملية التي تم تنفيذها من خلال دول ضامنة، مثل روسيا وإيران، لسنوات عدة، لم يكن لها معنى كبير، مؤكدا أن التطورات التي بدأت مع “هاكان فيدان” ستعيد تنشيط القنوات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين، ويتيح لبداية عهد جديد، على حد وصفه.
لا يقتصر الامر على تقرير الصحيفة، وزير الخارجية التركية “مولود تشاووش أوغلو” قال بلسانه أن بلاده تجري مفاوضات مباشرة مع دمشق في قضايا أمنية وتتعلق بمكافحة الإرهاب ، لكنه خلافا لما أوردته الصحيفة نفى الحوار السياسي مع دمشق. ونفت بدورها الخارجية السورية في بيان بشكل قاطع وجود أي نوع من التواصل والمفاوضات مع تركيا ، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب . النفي السوري العاجل والقاطع لافت للانتباه، ومن المرجح ان له دلاله سياسية فهمتها الأطراف المعنية بشكل جيد. ولا يمكن اغفال ان صفة الإرهاب بالنسبة لتركية تتناقض مع تلك الصفة بالنسبة لدمشق . فانقرة تعتبر بعض الفصائل الكردية المتمركزة شرق سورية إرهابية، وهذا لا يتوافق مع التنصيف السوري. بينما تعتبر دمشق الفصائل العسكرية المتمركزة في ادلب إرهابية وهذا لا يتوافق مع النظرة التركية . فعلى أي أساس يجري البلدين مفاوضات حول مكافحة الإرهاب؟ ومن المحتمل ان تصريحات اوغلو حول اقتصار الحوار مع سورية على الشق الأمني وان لا تفاوض سياسي يجري استفز دمشق فعمدت الى اصدار بيان ينسف مسارا قبل ولادته.
اللقاءات بين فيدان المملوك حصلت اكثر من مرة خلال السنوات الماضية . مستشارة الرئيس السوري الدكتورة بثينة شعبان قالت في تصريحات صحيفة سابقة ان هناك لقاءات من هذا النوع جرت ، لكنها لم تفضي الى أي نتيجة ولذلك توقفت . وكان اول لقاء علني بين فيدان والمملوك جرى في موسكو مطلع العام 2020 .
يؤكد لنا مصدر مطلع بان رئيس المخابرات التركية “حقان فيدان” طلب لقاء الرئيس بشار الأسد في دمشق. الا ان الأسد رفض ذلك، على ان يجري اللقاء مع اللواء المملوك و خارج سورية. وطالما هذا المصدر واثق من معلومته، فهذا قد يعني شيئا واحدا الان وهو ان انقرة تتحسب لقرب الانسحاب الأمريكي من سورية، وتسعى لابرام تفاهم مع دمشق حول اليوم التالي لمغادرة الأمريكيين شرق الفرات. حيث تسيطر قوات “قسد” الكردية وحيث نفوذ الفصائل الكردية المناوئة لتركية ، والتي تصنفها انقرة كفصائل إرهابية تهدد الامن القومي التركي.
وبالتالي من باب التحليل والاستدلال فان القمة المفاجئة التي جرت قبل أيام في موسكو بين الرئيسين بشار الأسد وفلاديمير بوتين مرتبطة بشكل وثيق بالتحرك التركي الجديد نحو دمشق، وهنا قد يكون دور بوتين تليين المواقف ومحاولة إيجاد المخارج المناسبة لفتح مسار عال المستوى من التفاوض بين انقرة ودمشق، والامر الاخر هو احتمال حصول بوتين على معلومات حول مغادرة القوات الامريكية، وربما موعد الانسحاب الأمريكي من سورية، وعليه تجري الترتيبات والتنسيق لبناء تصورات لمنطقة شمال شرق سورية بعد رحيل القوات الامريكية .
الكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا قالها بوضوح تام “انسحاب القوات الامريكية من سورية قد يحدث في أي وقت واعتقد انهم سيتخذون هذا القرار”. وحسب المعطيات والمعلومات الواردة من العراق فان الإدارة الامريكية ستكون مضطرة لسحب قواتها من العراق بشكل كامل، وهذا الامر ان حدث سيعني حتما سحب القوات من شمال شرق سورية لصعوبة تامين وتقديم الدعم اللوجستي للقوات في سورية بعد الرحيل عن العراق.
وفي هذا السياق لا يمكن اغفال ان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب قد صادق فعليا أواخر العام 2019 على خطة لسحب قوات بلاده المنتشرة في سوريا ، الا انه تراجع تحت ضغط أعضاء من ادارته.
اتجاهات السياسية الخارجية التركية مؤخرا، والصيغة التصالحية التي تنتهجها، وفتح مسارات حوار وتفاهم مع الخصوم في المنطقة مثل التقارب مع مصر والسعودية والامارات يشجع على الاستنتاج بان الامر قد ينسحب على المسار السوري رغم التعقيدات الكبيرة في هذا المسار. نحن نعيش مرحلة من التغييرات والتغيرات الكبرى على صعيد عموم المنطقة ولم يعد هناك ما هو مفاجئ.
رأي اليوم