ناريمان توفيق-نيويورك

 عشية القمة الروسية التركية المرتقبة هذا الأربعاء في سوتشي ، صعّدت تركيا وسورية من اتهاماتهما المتبادلة، فأوحتا بأن المرحلة المقبلة ستكون كبيرة التعقيد والخطر، بينما سرّبت مصادر أخرى معلومات تفيد بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعمل مع أطراف أخرى وبينها العراق على محاولة جمع الطرفين السوري والتركي للبدء بحوار جدي حول مستقبل الوضع في سورية والاحتلال التركي لأراض سورية وكيفية التعامل مع الكرد في المنطقة، كما أنه يُريد الاستمرار بإغراء تركيا للبقاء قريبة من موسكو وعدم الارتماء مجدّدا في أحضان واشنطن، وذلك بعد قليل من التوتر بين أنقرة وموسكو حول عدد من الملفات، وبينها ملف ادلب حيث دفعت تركيا بتعزيزات عسكرية ثقيلة الى الاراضي السورية وانتقدت بشدة ما قالت انها غارات روسية عنيفة على ادلب وغير مقبولة.

التصعيد السياسي التركي

في سياق التصعيد، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام قليلة ” إن نظام بشّار الأسد يُشكّل خطرا على بلادنا وإني سأبحث الأمر مع الرئيس بوتين ” مضيفا:” للأسف، تحوّل النظام السوري إلى بؤرة تهديد في جنوب تركيا”.

وأضاف أردوغان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة : ” إن لقائي مع بوتين سيكون ثنائياً دون وجود شخص ثالث، ولن يقتصر على الأوضاع في إدلب، بل سنناقش عموم الأوضاع في سوريا والخطوات التي سنقْدم عليها في هذا البلد والعلاقات الثنائية أيضاً”

 
وكان لافتا أن أردوغان قد اتهم الرئيس الأميركي جو بايدن ب ” نقل الأسلحة والذخائر والمعدات إلى  المنظمات الإرهابية  في سوريا ” وذلك في إشارة واضحة   إلى "وحدات حماية الشعب الكردية"، أكبر فصائل تحالف سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من واشنطن، والتي تصنّفها تركيا  بالإرهابية ، وهدّد بأن تركيا “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يجري”

المقداد سننهي الاحتلال التركي بكل الوسائل

لم تتأخر سورية في الرد على كلام أردوغان، فشنّ وزير خارجيتها د. فيصل المقداد من على منبر الأمم المتحدة هجوما حادا تضمّن تحذيرا تركيا، وأبرز ما جاء فيه هو التالي:

إن النظام التركي ما زال يقدم الدليل تلو الآخر على عدم التزامه بمخرجات أستانا وتفاهمات سوتشي ذات الصلة بمنطقة إدلب إضافة إلى مواصلته دعم وحماية التنظيمات الإرهابية الموجودة هناك ولا سيما “جبهة النصرة” المدرجة على قائمة مجلس الأمن للكيانات الإرهابية ما حول هذه المنطقة إلى خزان للإرهابيين الأجانب بشهادة تقارير لجان مختصة في مجلس الأمن ذاته.
إن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها النظام التركي في الأراضي التي يحتلها في سورية سواء عبر سياسات “التتريك” والتهجير القسري والاعتداء على أبناء تلك المناطق الرافضين لهذا الاحتلال أو عبر العقاب الجماعي من خلال قطع المياه بشكل متعمد ومتكرر عن أكثر من مليون مواطن في مدينة الحسكة وريفها الغربي إضافة إلى تخفيض منسوب تدفق نهر الفرات إلى أقل من نصف النسب المتفق عليها بين البلدين بموجب اتفاقية العام 1987 مع ما يتسبب به ذلك من تداعيات إنسانية وبيئية وصحية وزراعية خطيرة ما يستدعي تدخلاً عاجلاً وجدياً من مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة لوقف هذه الانتهاكات والجرائم بشكل فوري.
إن أي وجود أجنبي على أراضي سورية دون موافقتها غير شرعي ويشكل خرقاً سافراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ولكل قرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تؤكد ضرورة الالتزام القوي بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية ناهيك عن أن هذا الوجود يمنع استكمال مهمة القضاء على الإرهاب ويهدد الاستقرار والأمن في المنطقة وبالتالي فإن احتلال القوات التركية والأمريكية لأراض سورية تحت ذرائع واهية وقيامها بسرقة ثروات الشعب السوري ومقدراته يجب أن تنتهي فوراً ودون قيد أو شرط ومثلما دحرت سورية الإرهاب من معظم أراضيها فإنها ستعمل بذات العزيمة والإصرار على إنهاء هذا الاحتلال بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي والتاريخ يشهد أنه لا بقاء لمحتل طال الزمن أم قصر.
إننا نحذر القلة من أصحاب الأجندات الانفصالية في شمال شرق سورية من مواصلة أوهامهم التي يرفضها الشعب السوري لأنهم بذلك يضعون أنفسهم في خانة القوى المتآمرة على وحدة سورية أرضاً وشعباً مؤكداً أنه سيتم التعامل معهم على هذا الأساس وعليهم أن يصحوا من غفلتهم ويتعلموا من الدروس الماثلة أمامهم وعلى مقربة منهم من أن الرهان على القوى الخارجية والاستقواء بالمحتل على أبناء شعبهم هو رهان فاشل ولا يجلب إلا الذل والهوان لأصحابه والأذى والضرر لبلادهم وشعبهم.


ماذا سيفعل بوتين؟

الواقع أنه بين هذين التصعيدين المتبادلين التركي والسوري، تسعى موسكو أولا  لاقناع الرئيس التركي بضرورة الاتفاق على انهاء ملف ادلب بالطرق الدبلوماسية كي لا ينتقل الأمر الى مرحلة الخطر خصوصا ان ما يجري يوحي باحتمال اشتباك روسي-سورية، وتسعى موسكو ثانيا  للعب كل الأوراق وعدم التفريط بأي منها، وقد سرت معلومات من بغداد قبل فترة تفيد بأن العاصمة العراقية قد تستضيف قريبا اجتماعات تركية سورية، لكن يبدو أن الأمور عادت للتعقيد وفشلت الوساطات لأسباب مجهولة ولذلك سيحاول بوتين إعادة المحاولة في لقائه مع أردوغان، وليس بعيدا ان يقترح استضافة لقاءات تركية سورية في موسكو خصوصا بعد لقائه الأخير والمثمر مع الرئيس السوري بشّار الأسد.

لكن الأمور بين تركيا وروسيا ليست سمناً على عسل، فهناك عدد من العقبات القديمة أو التي طرأت مؤخرا وبينها مثلا إعلان وزارة الخارجية التركية رفضها نتائج انتخابات مجلس الدوما في شبه جزيرة القرم التي جرت في الأسبوع الماضي، معتبرة أنه ليس لها أي قوة قانونية بالنسبة لأنقرة ومذكّرة بأن تركيا لا تعترف بانضمام شبه الجزيرة الى روسيا.

 
كذلك يتناقض موقفا روسيا وتركيا حيال الأوضاع في ليبيا وسوريا وحيال عزم أوكرانيا وبولندا شراء طائرات مسيّرة من دون طيّار من أنقرة، خصوصا ان الرئيس الأوكراني كان قد زار أنقرة في أوج الخلاف مع روسيا لتوقيع اتفاقيات مختلفة وبينها عسكرية وهو ما دفع موسكو الى اتخاذ خطوات بينها تعليق حركة الطيران جزئيا الى تركيا . أضافة الى موقف البلدين من الحرب بين أرمينيا وأذربيجان. وكانت موسكو قد أعربت عن استياء كبير بعد إحياء تركيا الذكرى السنوية لتهجير تتار القرم والشركس من قبل روسيا، ناهيك عن مشكلة ما تُسمى ب ” قناة إسطنبول”.

ومن المنتظر أن تكون قضية الدفعة الثانية من صفقة الصواريخ الروسية s400 مقياسا على تقدم أو تراجع أو برودة العلاقات بين الطرفين، فلو أكملت تركيا خطواتها باتجاهها يعني أنها تقترب أكثر من موسكو وتضرب عرض الحائط مواقف الأطلسي وتحذيرات الولايات المتحدة الأميركية.

كما أنه من المهم مراقبة تطور الاتفاقيات الروسية-التركية المتعلقة بخط نقل الغاز الطبيعي من روسيا الى أوروبا عبر تركيا والمعروف باسم ” السيل التركي”

الدستور السوري

أما قضية الحل السياسي في سورية وما يُمكن أن يناقشه الطرفان التركي والروسي، فقد استبقت دمشق هذه الاجتماعات بموقف من المقداد يقول :

“إن الدستور وكل ما يتصل به هو شأن سوري سوري يقرره السوريون بأنفسهم كما نؤكد على ضرورة أن يحافظ المبعوث الخاص للأمين العام على دوره كميسر وأن ينقل ما يحدث بصورة نزيهة وحيادية وموضوعية” … أي باختصار لا قبول لأي تدخل خارجي في المسألة الدستورية.

 
في التصريحات عشية القمة التركية الروسية: قال الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن البحث سوف يتركز على الوضع في إدلب السورية، مع التطرق إلى رزمة واسعة من الملفات التي يتعاون فيها الطرفان، موضحاً أن رئيسي البلدين «أبديا إرادة سياسية وتمكنا من التوصل إلى اتفاق سابق بشأن إدلب لكن للأسف لا تزال الأنشطة الإرهابية مستمرة في تلك المنطقة. إن الوضع في إدلب ما زال غير مقبول وخطيراً. إنه يعرقل عملية التسوية في سوريا. والأرجح أن يكون كل ذلك ضمن أجندة النقاش».

وعسكريا واصلت تركيا التصعيد في مناطق سيطرة   «قسد»، شمال شرقي سوريا، في الوقت الذي واصلت القوات الروسية قصفها الجوي على مناطق سيطرة الفصائل الموالية لتركيا. والواضح ان انقرة من جهة،  وموسكو ودمشق من جهة ثانية ترفع درجة المواجهة العسكرية في أدلب قبل القمة للحصول على شروط افضل من الخصم،  فهل ستشهد أدلب بعد قمة بوتين أردوغان تطورات معيّنة؟ ربما

لعبة الأمم