لم تمض ساعات قليلة على ثاني تصريح للرئيس نجيب ميقاتي في أقل من يومين من أن لا زيارة حاليا الى دمشق وأنه: “إذا كانت العلاقات مع سوريا تعرّض لبنان للمخاطر فلن أقبل بذلك”، حتى كانت الناطقة باسم الخارجية الأميركية جالينا بورتر تُرحّب باستئناف الرحلات الجوية بين الأردن وسوريا وتقول: “طالما الأمر يتعلق بالتجاري، فنحن نرحب بذلك”، وهذا أول موقف أميركي يصل الى هذا المستوى في الحديث عن ملفٍ سوري منذ بداية حربها عام 2011.

ليس ميقاتي معروفا تاريخيا بمعارضته لسورية، فهو كان وزيرا أكثر من مرة في أثناء الوجود السوري في لبنان وبمباركته، وحقق جزءا من ثروته من خلال التعاون مع دمشق عبر شركات الاتصالات وغيرها على الأراضي السورية (ثمة تقرير مفصّل في موقع درج حول هذا الأمر)، ولعلّ علاقات شقيقه طه مع قيادات سورية لم تنقطع بتاتا وفق روايات عديدة. ولو كان مُعارضا لسوريا أو للمحور الذي تنتمي إليه لما وصل حتما هذه المرّة الى رئاسة الحكومة وذلك لان حزب الله وحلفاءه كانوا سيمنعون وصوله. لذلك فإن ما يقوله اليوم ربما يُراد منه بعث رسائل الى الخارج والى بعض الداخل اللبناني لتسهيل عمل الحكومة أولا ولعدم فقد شعبيته الانتخابية الشمالية لاحقا، وهي الأسباب نفسها الى جعلته يكتفي بالتعبير عن ” الحزن” حيال دخول النفط الإيراني الى لبنان دون المرور بالمؤسسات الرسمية. ولو رفع اللهجة أكثر لكان وصله تذكير بالخطوط الحمر.

 
أما إذا كان ميقاتي مقتنعا فعلا بعدم الانفتاح على سوريا حاليا، فقد يبدو كالذاهب الى الحج فيما الناس يعودون منه، ذلك أن ثمة تحوّلات جذرية بدأت تتحكم بالمنطقة، وبينها ما يجري حاليا وسيجري لاحقا حيال الملف السوري، والشواهد على ذلك كثيرة أبرزها التالي:

منذ قمة الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف في 16 حزيران/ يونيو الماضي، والتي تلاها لقاء بين مبعوثي الرئيسين في جنيف أيضا، تبيّن أن ثمة اتفاقات بدأت ترتسم بشأن الحل السياسي واللجنة الدستورية والجبهة الجنوبية، وهو ما أدى الى تسهيل عبور المساعدات عبر معبر باب الهوى الحدودي بين سوريا وتركيا الى المعارضة والمسلحين في إدلب، وما أدى أيضا الى رفع الخزانة الأميركية عقوبات عن شركات تابعة لرجال أعمال قيل إنهم مقرّبون من الرئيس السوري.
مرورُ النفط الإيراني من إيران عبر البحر وقناة السويس ثم الأراضي السورية وصولا الى لبنان لم يلق أي اعتراض فعلي، واقتصر الاعتراض على بعض الكلام. لا بل أن أميركا وافقت على استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية الى لبنان عبر الأراضي السورية.
رفعُ الامارات العربية مستوى علاقاتها مع دمشق من إعادة فتح السفارة الى إعلان وزير خارجيتها الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان ومن قلب موسكو بعد لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف أنه لا بد من عودة سوريا الى جامعة الدول العربية وان قانون قيصر وحده يعيق ذلك.
قولُ الرئيس الفرنسي في لقاء سياسي هام قبل فترة “إن بشار الأسد بات أمرا واقعا وأنه لا بد من التعامل مع هذا الأمر الواقع من الآن فصاعدا”.
عقد قمة بين الرئيسين الروسي والسوري في موسكو ( كان بلا شك الأفضل بينهما منذ العام 2011)، أعقبها حلحلة في علاقة دمشق بمبعوث الأمم المتحدة غي بيدرسون حيث استقبلته بعد رفضها ذلك لمدة شهرين، وجرى الاتفاق على العودة الى اجتماعات اللجان الدستورية بين المعارضة والحكومة في جنيف في 18 تشرين الأول المقبل. وهذا ما أعلنه بيدرسون نفسه الليلة في مجلس الأمن قائلا إن هذا خبر سعيد جدا.
كلامٌ جدي عن تفكير أميركي بالانسحاب من سورية شرط الاتفاق مع روسيا على عدد من المسلّمات وبينها حماية الكرد وعدم توسيع الدور الإيراني على حساب الانسحاب الأميركي والاستمرار بالضغط لوضع دستور جديد للبلاد أو تعديل الحالي بما يسمح لبعض المعارضة بالمشاركة في السلطة.
مساع روسية حثيثة بشأن فتح قنوات تفاوض بين دمشق وتل أبيب، لكن سورية لن توافق على ذلك بلا إعلان إسرائيلي بالاستعداد للانسحاب الكامل من الجولان وهو ما ترفضه إسرائيل حتى الان وفق ما ظهر من كلام وزير خارجيتها في موسكو والذي قال بالمقابل ان ثمة إمكانية لاتصالات امنية.
تسريبات حول مساع لإيجاد حل لمزارع شبعا، تُمهّد لتسريع خطوات ترسيم الحدود البحرية واللبنانية مع فلسطين المحتلة، ولا شك أن أي كلام عن شبعا يتطلب موافقة سورية، وثمة من يأمل بالحصول على تلك الموافقة ويتحدث عن حلحلة ما.
قمة روسية تركية اليوم في موسكو لبحث آفاق الحل في الشمال واحتمالات انهاء مشكلة إدلب وهي من آخر القضايا الأمنية الكبرى في سوريا الى جانب الاحتلال الأميركي الذي يساهم في دعم المعارضة الكُردية في السيطرة على بعض مناطق الثروة في الشرق السوري.
وحاليا اتفاقات واسعة سورية أردنية على ملفات اقتصادية وتجارية وأمنية وغيرها، وهذا لم يكن ليحصل بلا ضوء أخضر أميركي أو غض طرف أميركي. أعقبتها تصريحات أميركية مُرحّبة.
هذا غيضٌ من فيض ما يجري، فهل ما قاله ميقاتي يتوافق فعلا مع هذه التحولات الكبرى، والتي ستشهد بعد حين على الأرجح تسريع خطوات التواصل السعودي السوري وربما التركي السوري؟ على الأرجح لا، لكن ربما عند رئيس الحكومة حسابات أخرى أو ربما سمع نصائح أخرى بأن لا يتسرّع في فتح الخطوط قبل معرفة مآلات التفاوض الإيراني الأميركي وبأن لا شيء حُسم حتى الآن بين موسكو وواشطن بشأن سورية وأن المستقبل قد يشهد تطورات أخرى.

ثمة من يقول إن ميقاتي  يريد فعلا ان يحمي لبنان من العقوبات والغضب الأميركيين، وإنه يفعل ما فعله تماما  رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي الذي آثر عدم دعوة دمشق الى قمة بغداد للحوار والشراكة منعا للإحراج ( خصوصا أن فرنسا وتركيا ما كانتا ستقبلان مثل هذا الحضور ) رغم تأثير إيران القوي في العراق . وآخرون يعتبرون ان رئيس الحكومة اللبنانية ربما يخطئ في التحليل، وطرف ثالث يرى أن ما يقوله شيء وما يجري مع دمشق بعيدا عن الأضواء شيء آخر… فهل يحمي لبنان كما يقول أم …؟  للنتظر ونر.

لعبة الأمم