عمران محفوض
التفاؤل ضروري في كل نواحي الحياة لكونه وقود العمل وصانع المستقبل على المستويين الشخصي والمجتمعي، لكنه في بعض الحالات يكون محبطاً إذا ما تجاوزت جرعته الحد الذي يسمح به الواقع.
بمعنى.. هناك تشابه كبير بين جرعة التفاؤل وجرعة الدواء، فإذا تناولنا جرعة دواء زيادة على وصفة الطبيب تكون النتائج عكسية.. تدهور الحالة المرضية أو تسمماً دوائياً.. وكذلك يحصل عند ضخ جرعة زائدة من التفاؤل في المجتمع من دون حسابات منطقية تكون النتائج سلبية وأحياناً تترك الناس في حيرة من أمرهم.. يفكرون بالقادم «الأحسن» وينتظرونه بلا مبادرات ولا عمل، رغم معرفتهم أن تباشير هذا التفاؤل المفرط غير موجودة على المدى القريب أو المتوسط ولسانهم يردد «لو بدها تمطر لكانت غيّمت».
لا نقول إن التفاؤل غير مطلوب، لكن وفق مقولة «على قدّ بساطك مدّ رجليك» أو على أقل تقدير طوّل بساطك ومدّ رجليك؛ وحينها يكون التفاؤل على مقاس الواقع ويصبح المستقبل في متناول أيدي الجميع وما عليهم سوى الاجتهاد لكي يحققوا أهدافهم بأقصر وقت ممكن.
في ظل نقص الخبرة والمتابعة الميدانية والأهم غياب البيانات والأرقام يصبح من السهل على المدير أو حتى الوزير إطلاق تصريحات التفاؤل البعيدة المدى، وأحياناً واسعة الطيف، وهو طموح مشروع لكون قائمة الصعوبات التي تعاني منها المؤسسات أصبحت أطول من الوقت المفترض لبقاء المدير المعني بإيجاد حلول لها على كرسي المسؤولية، ولذلك يبدأ من الآخر بـ«التفاؤل».
وللأسف لا يحتاج المواطن إلى الكثير من الوقت ليكتشف أن التفاؤل الذي بثّه هذا المدير ليس سوى جرعة «تخدير» وقتية؛ الغاية منها توجيه رسائل في كل الاتجاهات لإيهام المواطنين بأنه «سوبرمان» الإدارة القادر على تقديم الحلول للمشكلات ومعالجتها قبل أن تتأزم وتتضخم وتصبح بعد فترة عصية على المعالجة، إلا أن المواطن وبعد اكتشاف شرّ هذا التفاؤل الكاذب لا عجب أن يغرق في بئر التشاؤم الذي يحتاج إلى جهود مضاعفة من الإدارات اللاحقة للتخلص منه أو لإعادة المشكلة إلى حجمها السابق .. طبعاً هذه الجهود ستكون في حكم المهدورة حتى لو أخذ هذا المدير على نفسه عهداً بعدم إطلاق تصريحات «التشاؤل» المحبط نهائياً!.

تشرين