سامر كركي 



مع كلّ هذا التقدم الميداني والدور الجيوسياسي الذي تعرف دمشق أنها تتقنه، ويعرف القاصي والداني أهميته، على الدولة السورية أن تجنح نحو ترسيخ الأمن الاجتماعي والاقتصادي بمقاربات تختلف عن سابقاتها.

في سوريا الطبيعية أكثر من سرّ ولغز حاكى الماضي والحاضر والمستقبل في هذه المنطقة النابضة بشتّى صنوف الإباء والعزّة والكرامة، فمِنَ الاستعمار وتسمياته المخفّفة "الانتداب"، والذي حاول صبغ لبنان وسوريا وفلسطين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية حتى النكبة العام 1948، وشعوب هذه الدول لا تخذع ولا تقبل الهوان والضعف، باستثناء البعض، ممّن لديهم مخطط تآمري يوائم عقلهم وفكرهم ووجدانهم!

سوريا وعاصمتها دمشق، أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، عرفت انقلابات متكررة منذ الأربعينيات حتى 1970، وعاشت الوحدة مع مصر بين 1958 و1961، وظلّت تقاوم الرياح الغربية، ثمّ عايشت الفكر الاستراتيجي للرئيس الراحل حافظ الأسد الذي عرف خلال لقاءاته مع مختلف الاسماء الدبلوماسية من كيسنجر وشولتز، وحتى نظرائه الرؤساء، كيف تُؤكل الكتف، وكيف يرغم أصحاب الرأي المتغطرس على أن يعودوا خالي الوفاض، ليضربوا أخماساً بأسداس.

وفي الألفية الثانية، دخلت البلاد عهد الرؤية التجديدية التي تقارب الاشتراكية بنفحة العولمة التي لفّت العالم، وجاء غزو العراق 2003 واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ليحاول ثني سوريا وإخضاعها للدخول في اصطفافات تحاول من خلالها تجديد الامتياز لها هنا أو هناك، تارة عن طريق خرائط غازية، وطوراً عن طريق غضّ الطرف والاعتراف بدور كبير ومؤثّر وفعّال في أكثر من ملف، حتى جاءت الحرب الكونية في العام 2011، والتي فتحت أبواب جهنّم من كل الاتجاهات في وجه الدولة السورية، فكانت كل حدودها مشرّعة لدخول السلاح والإرهابيين المنتمين إلى مدارس ومشارب متنوعة، بعضها من منبع أيديولوجي واحد، والآخر لا يهمّه سوى زعامة منطقة أو فرض سطوة أو نيل رضا مشغّليه الإقليميين والدوليين والتنعّم بالمال الوفير.

ومع تطوّر الأحداث، كان المفصل والتحول الكبير في العام 2018 مع الانتصارات المتراكمة التي حققتها الدولة السورية بمساعدة الحلفاء، باسترجاع كامل حلب ومناطق الريف الغربي للعاصمة وخاصرة العاصمة وغيرها، وتحولت الأنظار بعدها إلى الجزيرة السورية والشمال الإدلبي، فالجزيرة السورية هي الباب الأول للاكتفاء الذاتي وأساس الاقتصاد الإنتاجي، وهي تضم محافظة الحسكة كاملة، إضافة إلى مناطق من محافظتي دير الزور والرقة. 

في هذا الملف، تلعب الولايات المتحدة بالورقة الكردية و"داعش" للضغط على الدولة السورية. وقد بلغ هذا الضغط أوجه في عهد ترامب، وتكلّل بقانون "قيصر" في حزيران/يونيو 2020. يبدو أنَّ أبناء العم سام ملوا من محاولة ثني ذراع الدولة والحكم في سوريا أو ليّها والاتجاه نحو مناطق التوتر التي تجمعها مع التنين الصيني بشكل مباشر أو عبر وكلاء في بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهادئ والهندي. 

سيعقب هذا الانسحاب تنسيق كامل بين الدولتين السورية والعراقية لإنهاء ظاهرة فلول "داعش" والجماعات الإرهابية التي يمكن أن تنشأ لغاية تخريب محلّي أو كظاهرة مستجدّة. أما دور الكرد الذين ما فتئوا يعوّلون على تكوين دولتهم، رغم اختلاف مكنوناتهم الفكرية، والذين يبدو بعضهم متعاطفاً مع الكيان الصهيوني، فإن ملاذهم الأخير لن يكون إلا الحضن السوري، مع بعض الخصوصية التي تميّز حضورهم السياسي والديمغرافي والفكري، وذلك لغياب الأفق الأميركي الواضح، والذي لا يمكن أن يضمن لهم أي مستقبل بدولة موعودة تركّب الصورة مع كرد تركيا والعراق وإيران.

وإلى الشّمال، حيث إدلب أو المدينة الخضراء، والتي جمعت آلاف الإرهابيين والمتمردين الذين ينتمون إلى مشارب مختلفة، يبدو العامل الروسي حيث يلعب والتركي على أكثر من ملف ومقايضة في أكثر من مكان أساسياً، فتركيا أصبحت نهاراً جهاراً تعتبر هذه المنطقة جوهرية، بذريعة تهديد الأمن الحيوي للجنوب التركي، وخصوصاً بعدما عجزت عن عرقلة عملية توحيد حلب. 

لذلك، تدفع نحو عمليات موضعية ضد الجيش السوري بين الفينة والأخرى، لإرسال رسائل إلى الدب الروسي بعدم تجاوزها، ولدفعه إلى اتفاقات تبنى على امتيازات لها، ولكنها مكتوبة وموقعة بضمانة روسية في حال انسحاب الإرهابيين وذوبانهم في البيئة هناك أو التخلص منهم أو انطلاقهم إلى مناطق ساخنة في الشمال الأفريقي أو أفغانستان أو غيرها من المناطق.

مع كلّ هذا التقدم الميداني والدور الجيوسياسي الذي تعرف دمشق أنها تتقنه، ويعرف القاصي والداني أهميته، على الدولة السورية أن تجنح نحو ترسيخ الأمن الاجتماعي والاقتصادي بمقاربات تختلف عن سابقاتها، وتيسير حلول مقبولة جزئياً للمرحلة المقبلة التي ستشتد فيها الضغوطات قبل الجلوس على الطاولة والتسليم بالدور المحوري للشام من قبل كل الأطراف، وخصوصاً الطرف التركي، الذي ستتحول المنطقة السورية الشمالية إلى عبء عليه عاجلاً أم آجلاً، ناهيك بمشاكله الداخلية والانقسامات والوضع الاقتصادي والعلاقة الشائكة مع الولايات المتحدة.

تبدو الدولة السورية في وضع أفضل بانتهاجها صبراً استراتيجياً قارب 10 سنوات، رفدته عزيمة وثبات لاسترجاع كامل الأرض وحكمةٌ، رغم الاعتداءات الصهيونية المتكررة، ولكن من يتمكَّن من الصمود أمام هذه السطوة الأميركية-الغربية والحصار الاقتصادي الخانق، رغم كلّ معاناة الشعب السوري وآلامه، والتي نشاركه قسماً كبيراً منها في لبنان، وتآمر البعض ورميه السلاح في منتصف الطريق، سيبدأ حتماً بالحصاد، وهو ما سيظهر بعد فترة من خلال اتفاقية نقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سوريا.

إنّ سوريا هي حجر الأساس والزاوية في أيّ مقاربة تُذكر، إقليميّة أو دوليّة، لأنها الأساس في أي مشروع نفطي أو غازي أو اتفاق جديد، ودولياً لأنها رقم صعب، وصعب جداً، آنياً ومرحلياً واستراتيجياً.

المصدر: الميادين نت