هناك الكثير من المعطيات التي تمنح تركيا نقاطاً إيجابيّة تبدو قادرة دائماً على أن تجيّرها لمصلحتها.

لا يمكن لأيِّ متابع إلا أن يلاحظ الهيمنة التركيَّة والتسلّط في أغلب الملفات التي تتدخَّل تركيا فيها خارج أراضيها، وخصوصاً العراق أو سوريا، واليوم في ليبيا. والأهم في الموضوع أنها تخالف القوانين الدّوليّة في أغلب هذه الملفات... فعلى ماذا تستند أنقرة في هذا التسلّط؟ ومن يغطّي تحركها التوسّعي دائماً؟

في الواقع، هناك الكثير من المعطيات التي تمنح تركيا نقاطاً إيجابيّة تبدو قادرة دائماً على أن تجيّرها لمصلحتها. هذه النّقاط يمكن تحديدها بالتّالي:

موقعها الجغرافيّ والاستراتيجيّ
 لا شكّ في أنَّ تركيا تمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً، يمنحها عمقاً استراتيجياً استطاعت استغلاله بنجاح، فهي تنتشر في بقعة حيوية تشكّل الرابط الأساسيّ بين أوروبا وآسيا، وتقع بين دول آسيا الوسطى والمتوسط، وامتداداً نحو أوروبا والأطلسي عبر مضيق جبل طارق، وتشكّل واجهة غربية أساسية، تربط روسيا بأوروبا، وتربط إيران شمالاً بالمتوسط، وتُعتبر الدولة الأقرب جغرافياً من بين دول شمال المتوسط إلى الساحل الأفريقي الشمالي. 

عسكرياً
تعتبر الدولة الثانية في ترتيب حلف شمال الأطلسي عسكرياً بعد الولايات المتحدة الأميركية، وهي اليوم دولة أساسية في الحلف المذكور، وفي الوقت نفسه تمتلك أهم الأسلحة الروسية المتطوّرة، مثل منظومة الدفاع الجوي "أس 400"، ولم تعد بعيدة من امتلاك القاذفات الروسيّة الأكثر تطوّراً "سوخوي 35".

اقتصادياً 
لديها شبه اكتفاء ذاتي في المنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة والمتوسّطة، كما أنّها من الدول الغنية بالمياه، وتحتضن مصادر المياه الأساسية لكل من العراق وسوريا: أنهر دجلة والفرات، وخابور الفرات، وخابور دجلة والزاب الكبير. وتاريخ تعامل تركيا وتحكّمها بسعة تدفّق المياه في أغلب هذه الأنهر معروف.

وبمعزل عن هذه النقاط التي استفادت منها، فهي تتبع استراتيجية التسلّط بشكل دائم على جيرانها، وخصوصاً جنوباً مع سوريا والعراق. والحوادث أو الصدامات الأخيرة مع الدولتين خير دليل على ذلك:

تدخّلها في سوريا 
لم تتوانَ عن تدخّلها غير المتوازن وغير القانوني في سوريا، عبر دعم المسلّحين الإرهابيين بداية، وفتح المعابر لهم ولعتادهم وأسلحتهم وتمويلهم، ولاحقاً عبر العدوان والاحتلال المباشر، عبر عملية "درع الفرات" في جرابلس ومحيطها، وعمليّة "غصن الزيتون" في عفرين ومحيطها، وعملية "نبع السلام" شرق الفرات بين رأس العين وتل أبيض، إضافة إلى عرقلتها الدائمة لأيّ تسوية تحاول الدولة السورية أو تسعى للوصول إليها مع مسلّحي الشمال أو الشرق السوري.

تدخّلها في العراق 
تاريخ تدخّل تركيا في العراق معروف، ومنه اعتداءاتها المتكررة في كردستان العراق وجبال قنديل وشمال زاخو وبعشيقة وغيرها. ومؤخراً، تدخّلها البري في شمال أربيل وشرق دهوك. صحيح أنّها تستهدف بتدخّلها في العراق واستهدافها الدائم بقاذفاتها تلك المناطق مواقع لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، المصنّف في لوائح الإرهاب الغربية، ولكنها بذلك تتجاوز السيادة العراقية، ودائماً ما تدير ظهرها للاعتراضات الرسمية العراقية على اعتداءاتها التي تخالف القوانين الدّوليّة.

كما تعارض دائماً التوجهات الروسية والإيرانية في سوريا، وخصوصاً تلك المتعلقة بوقوفها ضد الدولة السورية والنظام، وغالباً ما تتجاوز اتفاقياتها معهم، مثل اتفاقيات أستانة وسوتشي وموسكو مؤخراً، وتتدخّل وتحتل وتمارس ضغوطاً سياسية واسعة، وبلغ بها الأمر أكثر من مرة إلى تقديم دعم مباشر للإرهابيين في اعتداءاتهم الصاروخية أو عبر الطائرات المسيرة على القاعدة الجوية الروسية في مطار حميمم. 

 وتمارس تركيا دائماً مع الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً اليونان، سياسة الابتزاز في موضوع اللاجئين السوريين إلى أوروبا، وغالباً ما تتجاوز اتفاقها مع الاتحاد حول اللاجئين الموقّع في العام 2015، من دون أن يرفّ لها جفن.

 

 اليوم، وفي الملف الليبي، تضرب تركيا بعرض الحائط رزمة واسعة من القوانين الدولية، فهي تنقل مسلَّحين وإرهابيين من سوريا إلى ليبيا، وتزجّ بهم في الميدان والصراعات الليبية، بعد أن تدعمهم بالعتاد والسلاح والطائرات المسيرة المتطورة وأسلحة الدفاع الجوي، وتدعم فريقاً ضد آخر، مرجّحة كفّة حكومة الوفاق برئاسة السراج ضد الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر. 

وتواجه في ليبيا سياسة روسيا وفرنسا ومصر وتوجهاتها لحل الأزمة الليبية، بعد أن عقدت اتفاقاً أمنياً - اقتصادياً مع حكومة السراج، تجاوزت عبره القانون الدولي لناحية ترسيم حدود المياه الخالصة مع الحكومة الأخيرة، غير آبهة بحقوق قبرص واليونان في المياه الاقتصادية الخالصة، استناداً إلى قوانين الترسيم الدولية المعروفة. 

 من الناحية العمليّة، ومن ناحية القانون الدّوليّ، لا يمكن لأيّ دولة أن تمارس هذا التسلّط الذي تمارسه تركيا يميناً ويساراً، من دون مقومات أساسية من دعم وتغطية، تجعلها قادرة على الوقوف في وجه كلّ الدول المعنية مباشرة أو غير مباشرة بالملفات التي تتدخّل بها، والأهم في وجه القانون الدولي ومؤسَّسات المجتمع الدولي.

من ناحية أخرى، وحيث يشكّل الموضوع النقطة الخفية في موقف تركيا القوي والمتسلط إقليمياً ودولياً، نلاحظ أنّ واشنطن عملياً بعيدة في الظاهر عن الشمال السوري، حيث تنخرط روسيا بالملف بشكل كامل، كما أننا نلاحظ أن واشنطن بعيدة عملياً من ملف اللاجئين السوريين إلى أوروبا، حيث يمكن الضغط من خلاله على الاتحاد الأوروبي. وهذا الضغط عملياً على الاتحاد المذكور لم يكن يوماً بعيداً من الاستراتيجية الأميركية.

في الملف الليبي أيضاً، لا يبدو في الظاهر أن لواشنطن تواجداً أو دوراً في هذا الملف الذي يعتبر الأهم في المنطقة مؤخراً، والذي يؤثر عملياً بشكل سلبي في أغلب حلفائها، مثل مصر و"إسرائيل"، أو الذي يؤثر في ملف غاز شرق المتوسط (المهم جداً لواشنطن) بشكل كامل بين قبرص واليونان ولبنان، حيث تنخرط روسيا بشكل مباشر عبر شركاتها أو عبر استراتيجيتها في التدخل المباشر في ليبيا.

 من هنا، وحيث لا يمكن أن يقتنع أي متابع بأن واشنطن مترفّعة عن التدخل في تلك الملفات الحساسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على عكس سابقاتها المعروفة في التدخل بأغلب الملفات التي لها مصلحة فيها، وخصوصاً أن الروس منخرطون في أغلب هذه الملفات بقوة، وبعض الأوروبيين منخرطون فيها أيضاً، ولو بنسبة أقل من الروس... وحيث إننا نلاحظ غرابة في قدرة تركيا على فرض نفسها في أغلب هذه الملفات بقوة، وبشكل يعارض مصالح الدول المتدخلة بها، وفي الوقت نفسه تتجاوز فيها القانون الدولي... وعلى الرغم من الاشتباك الظاهر بين أنقرة وواشنطن دبلوماسياً وسياسياً، وحتى اقتصادياً، حول بعض هذه الملفات أو غيرها، فلا شكّ أبداً في أنَّ أنقرة تمارس دور المنفّذ الأول بامتياز لسياسة واشنطن واستراتيجيتها ومناورتها في أغلب تلك الملفات، والتي تبدو فيها تركيا ظاهرياً المهيمنة وصاحبة النفوذ والسلطة، في الوقت الذي تمارس دور الوكيل عن الأصيل، وهو الولايات المتحدة الأميركية.

الميادين