أحمد الدرزي

تتشابك الملفّات في المنطقة والعالم بطريقة يصعب فصل بعضها عن بعض، والأمر يتطلَّب الذهاب نحو تبريد الأجواء الملتهبة منذ اندلاع حروب "الربيع العربي".

تتسارع الأحداث الإقليميّة والدوليّة لتؤكّد مساراً جديداً لسوريا، بعد حرب كبرى تجاوزت 10 سنوات ونيّف، فيما تؤكّد كلّ المؤشرات المتضافرة أنّنا أمام وضع دولي مستجدّ مختلف عن كلِّ المرحلة السابقة، وأنَّ سوريا أمام تحولات إقليمية ودولية حقيقية تتيح لها السير على طريق العودة إلى الحياة الطبيعية.

على الرغم من قدم التسريبات الموحية بتغير الرؤية الأميركية نحو المسألة السورية، وخصوصاً بعد قدوم الإدارة الأميركية الجديدة المحمّلة بهواجس الانقسام الأميركي الداخلي، والتي قد تذهب بالأميركيين نحو حرب أهلية ثانية، إضافة إلى إعادة ترتيب أولوياتها بالتوجه نحو التهديد الحقيقي المتمثّل باستمرار صعود المكانة الدولية للصين، ومعها روسيا، التي عجزت عن إيجاد شراكة حقيقية مع الغرب، فإنَّ هذه المؤشرات تأخرت بضعة أشهر، ولكنها بدأت بالظهور تباعاً، لتؤكد أن اللقاء الذي جمع بين بوتين وبايدن في 16 يونيو/حزيران من هذا العام، هو الذي أطلق إشارة البدء لتغيير موقف واشنطن، ومعها العواصم الغربية، والاستدارة نحو التعاطي مع الملف السوري من أرضية الوقائع الميدانية على الأرض ومخاطر انزلاق منطقة شرق المتوسط أكثر نحو حرب إقليمية كبرى مع "إسرائيل" كمخرج وحيد نحو العودة إلى الحياة الطبيعية.

كانت درعا هي البداية نحو نهاية الحرب في سوريا، كما كانت بدايتها، كمؤشر على عكس المسار السوري، وتم فرض شروط مصالحة جديدة بتعاون أردني كامل، بعد زيارة الملك الأردني عبد الله الثاني لواشنطن، والإقرار بأن بقاء الرئيس الأسد أمر واقع لا يمكن تجاوزه.

 ولَم تنته الأمور محلياً، بل امتدت إقليمياً ودولياً، وخصوصاً في اجتماع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد مع 7 وزراء خارجية عرب في الأمم المتحدة، وأهمهم وزير خارجية مصر، التي يتواجد مقر الجامعة العربية في عاصمتها القاهرة، استعداداً لعودة سوريا إليها.

تتشابك الملفّات في المنطقة والعالم بطريقة يصعب فصل بعضها عن بعض، والأمر يتطلَّب الذهاب نحو تبريد الأجواء الملتهبة منذ اندلاع حروب "الربيع العربي"، وهذا يقتضي إيجاد بيئة إقليمية جديدة وفقاً للمعادلات الجديدة التي تشكَّلت بفعل عجز الإدارات الأميركية المتعاقبة عن تحقيق ما عملت عليه بالحروب العسكرية خلال عقدين من الزمن، منذ اجتياح أفغانستان 2001 والعراق 2003، وانتهاءً بالحرب التي لم تنتهِ بعد في سوريا واليمن، إضافةً إلى الملفّ النووي المؤرِق لـ"تل أبيب" وواشنطن وبقية العواصم التي تحتمي بالمظلّة الأميركية.

رغم بدء المسار في سوريا نحو الخروج من الحرب، وظهور التوافق الأميركي-الروسي حول ضرورة النظر إلى سوريا من زاوية التهديدات المتعاظمة، تبقى إدلب المشكلة الأكبر أمام الوصول بسوريا إلى بر الأمان، بفعل التعقيدات الكبيرة لهذا الملف، فهو أشبه بالخرّاج المتقيح الذي يُخشى من انفجاره، وهو يحتاج إلى معالجة جراحية دقيقة للتخلص منه، وخصوصاً بوجود المجموعات الأجنبية المسلحة من الإيغور والأوزبك والشيشان وبقية القوميات، وهي إذا ما عادت إلى بلادها، فإنها تشكل مخاطر أمنية كبرى، وخصوصاً على الصين وروسيا وبقية دول آسيا الوسطى، ومعها أوروبا. وقد تحولت إلى مشكلة دولية مستعصية على الحل، تتطلَّب تعاوناً دولياً دقيقاً، وخصوصاً أن خيارات الحل المتاحة محدودة.

كانت إدلب هي القضية الأساس التي دفعت إلى لقاء الرئيسين بوتين - الأسد، ومن بعده اللقاء بين الرئيسين بوتين - إردوغان، إقراراً من الجميع بأن عدم تعاون تركيا وسوريا لحلِّ مشكلة إدلب لن يصل إلى نتيجة، وهو أمر صعب جداً على الرئيس إردوغان، الذي ما زال حتى الآن يتعاطى في علاقاته الدولية، وخصوصاً مع روسيا، من مبدأ الندّية المنبثقة من إيمانه العقائدي والقومي التاريخي بأحقيته وبلاده بمكانة دولية كبيرة.

لا يستطيع إردوغان التراجع عن احتلال إدلب، وهو الذي بقي يتحدَّث عن الميثاق الملّي للعام 1920، وعن الحدود العاطفية للدولة التركية، وهو الذي خسر مصر والسودان وتونس والمغرب، بعد فشل حركة الإخوان المسلمين في هذه الدول عن التغيير لمصلحة المشروع الأميركي، إضافة إلى ليبيا التي تلوح فيها نذر فشل جديد بالنسبة إليه، وخصوصاً بعد أن عززت وقائع الجغرافيا دور مصر فيها بدعم إماراتي ودور روسي مساعد بغياب أميركي عن الحدث الليبي، ولَم يبق بين يديه سوى 3 أوراق في سوريا والعراق وجنوب القوقاز.

ويبقى الشمال السوري هو الأهم، باعتباره المدخل الأساس للتحول من استخدام القوة الناعمة إلى القوة الخشنة، إضافةً إلى وجود أكثر من 100 ألف مقاتل سوري وأجنبي يستطيع إردوغان استخدامهم لتحقيق طموحاته في آسيا الوسطى وبقية دول العالم، وهو لا يستطيع العودة إلى تركيا الداخل المتألبة عليه، نتيجةً للتراجع الاقتصادي الكبير وانخفاض مستوى الأجور واستئثاره بكل السلطات، بعد المغامرات الكبيرة في جغرافيا الإمبراطورية العثمانية التي انهارت منذ 100 عام.

من الواضح أنَّ لقاء بوتين - إردوغان في سوتشي لم يؤدِّ النتيجة المرتقبة، لإدراك إردوغان أنَّ موسكو لا تستطيع فرض أيّ من السياسات على أنقرة، إلا إذا كان هناك توافق أميركي روسي كبير بالضغط عليه وإجباره على التراجع والتخلّص من مشكلة إدلب، وأميركا وحدها قادرة على الدفع به نحو هذا الخيار، لارتباطه أساساً بالمشروع الأميركي وحلف الناتو، وقدرة الإدارة الأميركية على إجراء المزيد من الضغوط الاقتصادية على تركيا التي تحتاج لتدفق الاستثمارات الغربية من جديد، بعد أن وصلت إلى تريليوني دولار من قبل، وهو بأمس الحاجة لرفع سوية الاقتصاد التركي قبل انتخابات الرئاسة في العام 2023، التي تتزامن مع مرور 100 عام على معاهدة لوزان.

ومن الواضح أيضاً أنَّ إردوغان يراهن على لقائه المرتقب مع جو بايدن في نهاية هذا الشهر في روما، لعلَّه يستطيع خفض مستوى الضغوط الأميركية لإدارة معادية له، ليستخدم ذلك في مواجهة ضغوطات بوتين عليه للتخلّي عن الخرّاج الإدلبي، ولن تستطيع سوريا إعادة بناء نفسها بحلَّة جديدة من دون استعادة إدلب كاملة، وهو أمر قد يتطلَّب سنوات.

أقصى ما يمكن الوصول إليه في هذه المرحلة هو تطبيق اتفاق 5 مارس/آذار 2020 بين بوتين وإردوغان، وفتح طريق "M4" بين حلب واللاذقية، ريثما تتم عودة العلاقات الطبيعية بين تركيا وسوريا؛ فمن دونها، ستبقى المنطقة تعيش اضطراباً مستمراً، وخصوصاً سوريا، التي دفعت الثمن الأكبر في حرب هي الأطول والأكثر فداحةً في تاريخها الطويل.

    المصدر: الميادين نت