فرضت ظروف الحرب والتدخّلات الخارجية نفسها على طبيعة العلاقة الاقتصادية بين مناطق الدولة ومناطق «قسد» (أ ف ب )

لم يحُل وجود القوات الأميركية في منطقة الجزيرة شرقي الفرات، دون نشوء علاقات اقتصادية بين مناطق الحكومة السورية وتلك الخاضعة لسيطرة «قسد». علاقاتٌ تختلف تسمياتها باختلاف النظرة السياسية إليها، إلّا أنها تبقى بشكلها الحالي طارئة تَحكمها الضرورة، وهو ما يعني أنها ستتبدّل حتماً مع استعادة الحكومة السيطرة على جميع المناطق

قد لا يكون من المبالغة القول إن استعادة الحكومة السيطرة على المنطقة الشرقية من البلاد، يعني عملياً أن نصف مشاكل سوريا الاقتصادية ستجد طريقها إلى الحلّ، وخلال فترة زمنية قياسية. فالمنطقة التي يقع معظم أجزائها تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، تحتوي على أهمّ ثروتين تمثّلان شريان الحياة لأيّ اقتصاد: النفط والغاز، والزراعة. وبحسب بيانات وزارة النفط السورية، فإن حوالى 93.5% من إنتاج البلاد النفطي، والمُقدَّر قبل الأزمة بحوالى 385 ألف برميل يومياً، كان يأتي من الحقول المُكتشفة في المنطقة الشرقية، والتي وصل إنتاجها اليومي آنذاك إلى حوالى 360 ألف برميل موزّعة على المحافظات الثلاث وفق ما يلي: الحسكة 225 ألف برميل، دير الزور 125 ألف برميل، والرقّة 10 آلاف برميل. أمّا بخصوص الزراعة، وتبعاً لتقديرات بحثية مستقلّة غير منشورة سابقاً، فإن نسبة مساهمة الناتج المحلي لقطاع الزراعة والغابات والصيد في المحافظات الشرقية إلى إجمالي الناتج المحلي للقطاع على مستوى البلاد، وصلت في عام 2010 إلى حوالى 31%. وتَظهر أهمية هذا القطاع في اقتصاديات المنطقة من خلال مقارنة نسبة مساهمة ناتجه مع إجمالي الناتج المحلي لكلّ محافظة، فقد كان الأوّل بين تسع قطاعات مُشكّلة للناتج المحلي بالنسبة إلى محافظتَي الرقة ودير الزور (40.13%، 30.38% على التوالي)، والثاني بالنسبة إلى محافظة الحسكة (18.48%).

ومع أن الحرب أتت على جزء لا بأس به من تلك الموارد، إلّا أنها لا تزال بوضعها الراهن تمثّل ورقة استراتيجية تستقوي بها «قسد» في مواجهتها الحكومة السورية، سواءً في جلسات الحوار التي يعقدها الطرفان بين الفينة والأخرى، أو في تركيبة العلاقات الاقتصادية التي فرضتها ظروف الحرب، والتي يصفها أحد الباحثين بأنها علاقات أقرب إلى قسرية منها إلى طوعية. فمن جهة، تنظر إليها دمشق باعتبارها مؤقّتةً سرعان ما ستزول بعودة المنطقة الشرقية إلى سيطرة الدولة، باعتبارها في جانب هامّ منها ضرورة أملَتها العقوبات الاقتصادية الغربية على دمشق؛ ومن جهة ثانية لا تجد «قسد» في الوقت الراهن بديلاً من هذه العلاقة في ضوء الرفض الإقليمي لوجودها كـ«كيان» لديه نزعات انفصالية، فضلاً عن التهديد التركي المستمرّ لها. وبحسب رأي الباحث الاقتصادي منير الحمش، فإن «السيطرة على الثروات من شأنها أن تُحسّن الموقف التفاوضي لِمَن وضع يده عليها. وفي المقابل، فإنها تضعف الموقف التفاوضي للطرف الآخر. ومن دون أدنى شكّ، فإن الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل سهّلت وشجّعت قسد على الاستيلاء على ثروات الجزيرة، وجعلها ورقة مهمّة في التفاوض مع الحكومة، خاصةً وأنها تُعتبر أن إضعاف الدولة السورية من أهدافها الرئيسة».

ليس نفطاً فقط
فرضت ظروف الحرب والتدخّلات الخارجية نفسها على طبيعة العلاقة الاقتصادية المتشكّلة بين مناطق سيطرة الدولة السورية وتلك الخاضعة لسيطرة «قسد»، وحجمها. وهي علاقةٌ تختلف تسمياتها تبعاً للمقاصد السياسية والاقتصادية لمُطلقيها، إلّا أنها تبقى في نظر طيف واسع من السوريين مجرّد انعكاس لما أفرزته سنوات الحرب والحصار من ممارسات اقتصادية غير شرعية مؤقّتة، ستنتهي بمجرّد تمكّن الحكومة من استعادة السيطرة على جميع الموارد الاقتصادية الموجودة في المنطقة الشرقية، وغيرها من مناطق الشمال المحتلة من قِبَل الجيش التركي أو الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلّحة المرتبطة بأنقرة. وهذا ما يذهب إليه الباحث الاقتصادي فادي عياش الذي يلفت في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «الحكومة تنظر إلى مناطق سيطرة قسد والقاطنين فيها على أنها جزء من الجغرافيا السورية، وبالتالي تتعامل مع تلك المناطق وفق الواقع المؤقّت الراهن بما يضمن مصالح المواطنين في تلك المناطق، وذلك انطلاقاً من واجب الدولة تجاه مواطنيها على رغم الحالة غير الطبيعية لهذه التنظيمات الحالمة بالانفصال وبرعاية أميركية مؤقتة».

لا يشكّل النفط سوى سلعة واحدة من عدّة سلع زراعية وصناعية يجري نقلها بين مناطق الدولة ومناطق «قسد»

وعلى خلاف الانطباع العام السائد، فإن النفط لا يشكّل سوى سلعة واحدة من عدّة سلع زراعية وصناعية يجري نقلها بين مناطق الدولة، والمناطق الخاضعة لسيطرة «قسد». كما أن كميات النفط الخام الداخلة إلى الأولى لا تشكّل كما يُشاع القسم الأكبر من إنتاج الآبار الموجودة والمستثمَرة في المنطقة الشرقية، إذ إن التقديرات حول تلك الكميات لا تزال غير دقيقة، وغالباً ما تنطلق من حسابات سياسية معينة، وفي الوقت الراهن لا تصل أيّ كمية إلى مناطق سيطرة الدولة، بحسب معلومات «الأخبار»، علماً أن التقديرات المتداولة لإجمالي إنتاج الحقول الواقعة تحت سيطرة «قسد» تتراوح ما بين 80-100 ألف برميل. والحال نفسه بالنسبة إلى الغاز الطبيعي الذي تشير المعلومات الخاصة إلى أن إنتاج الآبار الواقعة تحت سيطرة «قسد» منه حالياً لا يتجاوز 3.5 ملايين م3 يومياً، يُورَّدُ منها حوالى مليون م3 إلى مناطق الحكومة، في حين أن الطاقة الإنتاجية لهذه الآبار تصل إلى حوالى 6 ملايين م3.
وعلى رغم رفض «قسد» المتكرّر السماح لمؤسّسة الحبوب الحكومية بنقل فائض مخزونها من القمح إلى المحافظات الأخرى، إلّا أن ذلك لم يَحُل دون استمرار دخول سلع وبضائع بين المناطق المذكورة مقابل رسوم، إمّا تُفرض على الشاحنة أو على نوعية البضائع التي يجري نقلها. فمثلاً، كانت الحواجز العائدة لـ«قسد» تَفرض خلال السنوات الأخيرة رسماً مالياً على كل طنّ قطن يُنقل إلى المخازن الحكومية الواقعة في محافظتَي حلب وحماة. وهذا واقع يفسّره عياش بأن «سوريا تتعامل مع الظرف الراهن في المنطقة الشرقية بمنطق الدولة، وتقبل التعامل بحكمة مع الوضع الراهن ولو كان شاذاً، في تحمّلها لمسؤولياتها تجاه مواطنيها الخاضعين لسيطرة هؤلاء»، ويضيف: «ثروات تلك المناطق حق لجميع المواطنين السوريين، وبالتالي تحاول الحكومة تأمينها ولو عبر تلك التنظيمات. والرهان على عودة هؤلاء إلى رشدهم تحت مظلة الوطن والقيم الوطنية كجزء من النسيج الاجتماعي السوري». وفي ما يبدو مؤشّراً إلى تأثيرات التوتّر السياسي بين دمشق و«قسد» خلال الفترة الماضية وانعكاسه على التبادل السلعي بين المناطق المشار إليها، يكشف صحافي يقيم حالياً في إحدى مناطق سيطرة «قسد» لـ«الأخبار»، أنه «يلاحِظ منذ أشهر قليلة غياباً للبضائع القادمة من دمشق والمحافظات الأخرى إلّا ما ندر، حيث يتمكّن بعض التجّار الكبار من إدخال بعض السلع والمواد الضرورية».

صمت أميركي
تثير العلاقة الاقتصادية تلك، تساؤلات تتعلّق بالموقف الأميركي، خاصة وأن واشنطن لا تزال تحتفظ بقوات عسكرية لها في منطقة الجزيرة، أولويّتها حماية حقول النفط ومنشآتها، هذا إضافة إلى أن الإدارات الأميركية المتعاقبة فضّلت في مقاربتها تطوّرات الأزمة السورية منذ أكثر من عامين، اتّباع سياسة الخنق الاقتصادي والتجويع. فهل هذا يعني أن «قسد» تملك هامشاً من استقلالية القرار يُمكّنها من فرض ما يحقّق مصالحها، حتى ولو تعارض ذلك مع الموقف الأميركي؟ أم أنه لدى واشنطن حسابات سياسية معينة؟ تذهب معظم التحليلات السياسية إلى أن الولايات المتحدة تستهدف في المقام الأول من بقاء قواتها في منطقة الجزيرة السورية، تعزيز موقفها التفاوضي مع روسيا حول الملف السوري، للوصول إلى حلّ ينهي عقداً ونيّفاً من حرب كانت كارثية على السوريين وشعوب المنطقة، وتالياً فهي لا تعير اهتماماً لطبيعة العلاقات الاقتصادية المتشكّلة بين مناطق الحكومة وتلك الخاضعة حالياً لسيطرة «قسد»، ما دامت لا تزال ضمن مستوى لا يهدّد سياستها، خاصة أن عصب اقتصاد ما يسمّى الإدارة الذاتية واستمراريّته، قائم أساساً على نشاط التهريب مع دول الجوار (تركيا والعراق).

الاخبار اللبنانية