على الرغم من أن الكرملين لم يعلّق رسمياً عن "رشوة" إردوغان للرئيس بوتين، فإن الجميع يعرف مدى تشابك العلاقات الروسية - التركية في جميع المجالات.

لم يصدر أيّ بيان مشترَك عن قمة بوتين ـ إردوغان، ولم يعلّق الجانب الروسي على هذه القمة، التي غاب عنها وزيرا الخارجية والدفاع التركيان، وحلّ محلهما رئيس الاستخبارات هاكان فيدان، باعتبار أنه المسؤول الأول والمباشِر عن الملف السوري، وهو ما يزعج بعض القيادات العسكرية. وقالت صحيفة "سوزجو" إن البعض منهم استقال استنكاراً لهذا الوضع. 

الرئيس إردوغان، في طريق عودته من سوتشي إلى أنقرة، تحدّث إلى الصحافيين المرافقين والموالين له، وشرح لهم أسلوب حواره مع الرئيس بوتين، فقال: "عندما رفضت واشنطن تسليمنا طائرات أف ـ 35، ونحن شركاء في تصنيعها، ناقشنا مع الرئيس بوتين موضوع شرائنا طائرات روسية مقاتلة من الجيل الخامس، وبحثنا في تصنيع هذه الطائرات وتصنيع محرّكاتها معاً، وتحدّثنا بشأن الدفعة الثانية من صواريخ أس – 400، وإن شاء الله، سنقوم بخطوات مشتركة مع روسيا في مجال تصنيع السفن الحربية، بل حتى الغواصات، لأن ألمانيا تماطل في هذا الموضوع، ومن حقنا أن نبحث عن بدائل أخرى. وطلبت من الرئيس بوتين زيادة عدد المهندسين العاملين في بناء المفاعل النووي جنوبيّ تركيا، وعددهم الآن ثلاثة آلاف، ووعدني بالانتهاء من بناء المحطة الأولى من المفاعل النووي في أيار/مايو 2023". وأضاف: "هدفنا أن نبني ثلاثة مفاعلات نووية، وهو ما اقترحته على الرئيس بوتين. كما بحثنا في التعاون في مجال الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية، على نحو مشترك، حتى من محطات نقوم ببنائها على سطح البحار".

روسلان بوخوف، خبير الشؤون العسكرية الروسية، قال في تعليقه على كلام الرئيس التركي، إن "إردوغان يبالغ في حديثه عن اتفاقياته الأولية، ويضخّمها، ويُظهرها أكبر كثيراً من حجمها الطبيعي، وذلك ضمن حساباته الداخلية، وبالتالي ليساوم من خلالها الغربَ".

وقال سفير تركيا السابق في واشنطن، فاروق لوغ أوغلو، إنه "إذا كان إردوغان جادّاً في أحاديثه هذه، فكيف لتركيا أن تبقى عضواً في الحلف الأطلسي، وهي التي واجهت كثيراً من المشاكل، وما زالت، بسبب شرائها مجموعةً من صواريخ أس ـ 400، على الرّغم من أنها لم تقم بتفعيلها خوفاً من رد الفعل الأميركي". 

الجنرال المتقاعد، خلدون سولماز تورك، اعتبر أن "حديث إردوغان عن هذه الصفقات بمثابة رشوة للرئيس بوتين، كي يخفّف ضغوطه على أنقرة بشأن قضية إدلب. ويبدو أن إردوغان لا يفكّر في الانسحاب منها، ومن الشمال السوري بصورة عامة". 

هذا الفهم لتصريحات الرئيس إردوغان، عسكرياً ودبلوماسياً، جاء في إطار السيناريوهات التي كانت تتحدث، قبل قمة سوتشي، عن ضغوط روسية جدية على أنقرة من أجل إغلاق ملف إدلب بصورة نهائية، قبل نهاية العام الجاري. وأراد إردوغان أن يواجه هذه الضغوط عبر التودُّد إلى الرئيس بايدن خلال وجوده في نيويورك، وهو ما فشل فيه، ليبقى رهانه الأخير على لقائه القادم به نهاية الشهر الجاري في قمة العشرين في إيطاليا، وهو ما سيؤجّل أيّ تحرك تركي، وفق مزاج بوتين، في إدلب والشمال السوري بصورة عامة، حتى ذلك التاريخ، بل إلى ما بعد ذلك، لأن أنقرة تعتقد أن روسيا لن تضحّي بمصالحها معها في مقابل "حفنة من الارهابيين في إدلب"!

على الرغم من أن الكرملين لم يعلّق رسمياً عن "رشوة" إردوغان للرئيس بوتين، فإن الجميع يعرف مدى تشابك العلاقات الروسية - التركية في جميع المجالات، وهي لمصلحة روسيا أكثر من الأتراك. فروسيا تبني مفاعلاً نووياً بقيمة 30 مليار دولار، وباعت صواريخ أس ـ 400، وتغطّي نحو أربعين في المئة من استهلاك تركيا للغاز الطبيعي (هذه النسبة كانت نحو ستين في المئة، بحيث بدأت أنقرة قبل عامين استيراد الغاز من قطر). كما أن الغاز الروسي يصل إلى أوروبا بواسطة الأنابيب عبر الأراضي التركية.

في المقابل، تنفّذ الشركات التركية مشاريع بناء ضخمة، قيمتها مليارات الدولارات، في روسيا التي تستورد كميات كبيرة من المنتوجات الزراعية من تركيا، التي زارها العام الجاري مليونان ونصف مليون روسي، بعد أن كان هذا الرقم قبل "كورونا" عام 2019 نحو 7 ملايين.

في جميع الحالات، ومهما يكن حجم التعامل المتشابك، اقتصادياً وتجارياً، يَبقَ الجانب السياسي والجانب الاستراتيجي الأهمَّ بالنسبة إلى روسيا، التي لا تُخفي قلقها من تصرفات أنقرة، التي تستهدف الأمنين القومي والوطني لروسيا، باعتراف كتّاب مؤسسة SETA للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمقرَّبة من إردوغان. وتحدّثوا أكثر من مرة عن "قدرة تركيا على إزعاج روسيا في عدد من الساحات، وفي مقدمتها أوكرانيا وأذربيجان وجورجيا والبحر الأسود والبلطيق وآسيا الوسطى، حيث الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي، والقريبة من أفغانستان. يُضاف إلى ذلك تأثير تركيا، قومياً ودينياً ونفسياً، في جمهوريات الحكم الذاتي داخل روسيا الفدرالية، ومعظم سكّانها من المسلمين". 

يرى كثيرون أن هذا الطرح القومي لأنقرة، دينياً وتاريخياً، والذي يريد له الرئيس إردوغان أن يجعل تركيا دولة عظمى تتغنّى بأمجاد ذكريات التاريخين التركي والعثماني، يمثّل عنصراً مهماً في مساومات إردوغان مع الرئيس بوتين. ويعتقد إردوغان أنه الأقوى والأكثر امتلاكاً للأوراق في هذه المساومات، التي يريد لها أن تُبقيه في سوريا، التي إن انسحب منها فسيعني ذلك اعترافه بالهزيمة، وسقوط مشروعه العقائدي في المنطقة بصورة عامة، مع ما لذلك من انعكاسات على ذكريات الخلافة والسلطنة، والتي لن يكون سهلاً عليه أبداً أن ينساها أو يتناساها في أيّ شكل كان، وهو الذي قام بما قام به خلال السنوات العشر الأخيرة، إقليمياً ودولياً، والأهم داخلياً، بحيث أصبح الحاكم المطلق للبلاد. 

ويعرف الجميع أنه لا ولن يتنازل بعد الآن، عن أيّ من سلطاته، مهما كلّفه ذلك داخلياً وخارجياً، بما في ذلك البقاء في سوريا، وليس في إدلب فقط. وهو الموضوع الذي سيحسمه الرئيس بوتين، عبر موافقته على اقتراحات إردوغان، أو رفضها، وهو ما سيتطلَّب تنسيقاً وتعاوناً مباشِرَين مع الرئيس بايدن. ويتذكّر الجميع مقولاته السلبية سابقاً ضدّ إردوغان، الذي يؤمن بأن بلاده ليست أقل قوة من روسيا وأميركا!