أن يُحاصَر شعب عربي ويُخنق… أن يفرض الحصار على دولة شقيقة هي رمز الأمة ونبضها… وحكام على رؤوسهم الطير، لا تهزّهم نخوة، ولا يحرّكهم عنفوان أو كرامة. دول عربية يفرض عليها طغاة العالم عقوباتهم الظالمة اللاإنسانية، وجامعة دول عربية فاشلة، شاهدة زور على مآسي امة، وما يجري فيها، كخيال المأتى، لا حول ولا إرادة، ولا نية ولا قوة لها… ما كان سلاحها وفعلها وردّها يوماً، على ما تتعرّض له الأمة من اعتداءات، وإهانة، وحصار، وعقوبات، وإذلال، واستبداد، إلا الاستهجان والأسف، والإدانة والتنديد والتحذير!

 اجتماعات فارغة من مضمونها، وبيانات شجب، نداءات وقرارت هزيلة، ونحيب، ومناشدات واستجداء، لا يسمن ولا يغني من جوع. دول وشعوب عربية، وهيئات رسمية، وشخصيات وطنية ومسؤولون وأفراد، تفرض عليهم قرارات وعقوبات جائرة، يتعرّضون لسياسات الابتزاز، والتهديد والتطويع. والتجويع والحصار، بكلّ ما تحمله هذه العقوبات من إهانة وإذلال لكلّ العرب، في وقت لم يعد يهمّ أعراب الأمة، ولا يعنيهم نجدة شقيق، أو كرامة أمة، أو حياة شعبها.

 على مرأى كلّ العرب، تتعرّض سورية لعقوبات القرصان الأميركي، الذي تمادى بجبروته، وطغيانه غير عابئ بالمنظمة الدولية، ولا بحقوق الإنسان، وغير مكترث لما يسمّى بجامعة الدول العربية، التي يعرف جيداً معدنها الرخو، وحقيقة زعماء دول فيها، وانتماءاتهم وارتباطاتهم وولائهم المخلص له، كي يخرج كالثور الهائج، غير مكتفٍ بالحرب المدمّرة التي فرضها على سورية منذ عام 2011، وإنما يريد ان يستكمل عدوانه ويوسّعه الى النهاية، وإنْ لزم الأمر تجويع الشعب السوري، وتطويقه، وخنقه، لحمله على الاستسلام والرضوخ لمشيئته، بعد ان فشل في إخضاعها عن طريق القوة العسكريّة، والقضاء على نظامها، وإطاحة رئيسها.

في زمن الخنوع العربي، يتفرّج عرب الأنظمة وأعرابها على سورية، وهي تطوَّق وتحاصَر وتعاقب، أمام أنظارهم، وقلوبهم شتى… تتعاطف مع الجلاد، تقول له: افعل ما شئت، ونحن معك قلباً وقالباً… تمادى في عقوباتك ولا تتراجع او تتوقف، ولسان حالها يتمتم ويردّد: هل من مزيد!

 يا جامعة الدول العربية، ويا أعراب الأمة، سورية لا تحتاج منكم بيانات شاجبة، ولا تصريحات جوفاء، ولا تنديدات عقيمة، ولا اجتماعات فولكلورية، ولا استعراضات مجالس وقمم، وصورها التذكارية، ولا الابتسامات الكاذبة. ما تريده سورية منكم، وقفة عزّ تليق بأمتكم، تطبق وتنفذ على الأرض، لتقول لقراصنة العالم: إنّ هناك كرامة عربية، ووحدة قرار عربي جامع لا يمكن التفريط به، أو تجاهله. وإنّ لفعلكم ردّ الفعل، وإنّ عقوبات قيصر سنواجهها بموقف وقرار عربي موحد.

 انّ الاستفراد بسورية، وتركها تواجه حصارها وحدها، سيشجع اليانكي المتوحّش في ما بعد، على الاستفراد بدولنا، والقبض عليها، واحدة تلو الأخرى. إنّ سلاح الحرب الاقتصادية المتمثل بالعقوبات الشرسة الأحادية الجانب، التي تفرضها واشنطن ظلماً على دول عديدة في العالم، هو ما بقي للولايات المتحدة، وهي تحاول فرض هيمنتها وسيطرتها عليها، لتمنع تمرّدها، ومناهضتها، ورفضها لسياساتها ونهجها وأهدافها الاستراتيجية.

 لماذا تتركون سورية وحدها يا حكام العرب، والقرصان الدولي، ومعه العدو الإسرائيلي وحلفاؤه يتربصون بكم، وبدولكم وشعوبكم، وبالأمة كلها! وها هو الخطر التركي، يطرق أبوابكم من جديد، لا يريد أن يتخلى عن تاريخه العثماني الأسود، الذي جثم على أرضنا لاربعمئة عام. فهو يتمدّد اليوم عسكرياً، ويمارس أنشطته العدوانية، ويتوسّع في ليبيا وسورية والعراق ويتواجد في غيرها، من خلال عملائه ومرتزقته الذين يطلون برؤوسهم في لبنان، ليشكلوا طابوراً في خدمة مشغليهم. طابوراً مأجوراً، يحرّكه تعصّب أعمى، أنساه موبقات ومصائب السلطنة العثمانيّة، التي عاثت في أرضنا الفساد، ولم نعرف منها ومن تركاتها، إلا القهر، والفقر، والجهل، والاستبداد، والتمييز العنصري: الديني، والطائفي، والقومي، والثقافي.

 لماذا يا أعراب الأمة بصمتكم، تفرحون ضمناً، تهللون، تباركون عقوبات القرصان المتوحش على سورية، من دون أن يرفّ لكم جفن، أو يوخزكم ضمير؟!

لماذا سورية يا أعراب زمن الخنوع والذل؟! ألأنها كانت ثابتة على مبادئها ولم تنحرف، ولم تفرّط بالحقوق العربية، ورافضة دوماً قوى الهيمنة وسياساتها المنحازة المستبدّة! ألأنها كانت صلبة في دعمها للمقاومة في فلسطين ولبنان، التي تقاوم دولة الاحتلال الصهيونيّ! ألأنها رفضت وتصدّت لكلّ السياسات الغربية، التي تعمل على تطويع وترويض دولنا، وتركيعها وجرّها بالقوة الى بيت الطاعة الغربي! ألأنها ترفض الذلّ والمساومة على أرضها، وعلى قضية الشعب الفلسطيني، وتقف بالمرصاد في وجه صفقة القرن، وتتصدّى لسلام الأمر الواقع «الإسرائيلي»، والتطبيع معه، وطيّ القضية الفلسطينية نهائياً! ألأنها واجهت وحاربت قوى الإرهاب وأفشلت خطط داعميها وموجهيها، وقدّمت على مذبح الوطن عشرات الآلاف من الشهداء من أبنائها للحفاظ على سيادتها وأرضها ووحدة شعبها وأمنها القومي، والدفاع عن وجودها وأمتها! أهو الحقد على سورية الذي يتحكّم بسلوككم، ومواقفكم! أين هي الكرامة العربية التي عرفها العالم، وشهدتها شعوبنا العربية عامي1959 و 1960! في عام 1959، شكا العدو الإسرائيلي مصر في مجلس الأمن، لرفضها السماح للسفن الإسرائيلية، بعبور قناة السويس. كان ردّ الرئيس العظيم جمال عبد الناصر، للصحافي الهندي الشهير كارانجيا، _ عندما كان للعرب قائد شجاع _ إنه لو سمح مجلس الأمن لـ «إسرائيل» بحرية العبور في القناة، فإنه لن يطبّق القرار طالما انّ «إسرائيل» ترفض تطبيق القرارات الدولية. عندها لم يكن أمام رئيس وزراء العدو، دافيد بن غوريون، إلا أن يشنّ حملة سياسية شعواء على عبد الناصر، ومصر، اثناء زيارة له الى الولايات المتحدة، حيث تحرك اللوبي اليهودي ومارس ضغوطه، من أجل حمل العمال الأميركيين العاملين في ميناء بروكلين في نيويورك، على الامتناع عن تفريغ حمولات السفن المصرية الراسية فيه. وبالفعل، يوم 19 نيسان 1960 كان الاختبار عندما وصلت الباخرة المصرية «كليوباترا» الى ميناء نيويورك، ورفض عمال الميناء تفريغ حمولتها. أمام هذا الفعل، كان على الشركة المصرية «البوسنة الخديوية» مالكة السفينة، أن تتقدّم بدعوى عاجلة أمام المحكمة الفدرالية الأميركية، التي رفضت إصدار أمر عاجل إلى عمال الميناء تواطؤاً منها، لينسجم رفضها مع موقف وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، الذي أعرب عن موقفه، في خطاب وجهه الى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، جاء فيه: «انّ المقصود من مقاطعة الباخرة كليوباترا، هو ممارسة الضغط السياسي على القاهرة لرفع الحصار عن البضائع الإسرائيلية المارّة في قناة السويس». بعد أن رفضت محكمة الاستئناف في نيويورك إصدار الأمر بإنهاء المقاطعة، رغم إرسال برقيات احتجاج من النقابات العمالية العربية الى النقابة الدولية في نيويورك، وتواطؤ الإدارة الأميركية مع عمال التفريغ في ميناء بروكلين في نيويورك، كان لا بدّ من الردّ العربي الموحّد.

 فبعد أسبوع واحد من وصول الباخرة كليوباترا الى الميناء، أيّ يوم 26 نيسان، اجتمع اتحاد العمال العرب، وأعلن بصوت عال، أنه سيقاطع السفن الأميركية في الموانئ العربية من المحيط الى الخليج، وهكذا كان. إذ إنه بعد عشرة أيام، في 6 أيار 1960، رضخت نقابة عمال البحر الأميركيين، وأصدر رئيسها قراراً بإنهاء المقاطعة، جاء هذا القرار، بعد قيام الموانئ العربية بمقاطعة السفن الأميركية، إذ كان في مقابل كلّ باخرة مصرية، ثلاثون باخرة أميركية تنتظر تفريغ حمولاتها في الموانئ العربية.

إنهاء المقاطعة الحاسمة التي جاءت لتسجل انتصاراً عربياً، وتعزّز كرامة مصر وكلّ العرب، من خلال موقف موحّد مشرّف.

 فأين نحن الآن من الماضي القريب! ومَن يسترجع اليوم، العنفوان والكرامة العربية واحترام الذات، الذي عبث به طغاة العالم! وأين العرب والأعراب في هذه الأمة، كي ينهضوا ويحافظوا على الحدّ الأدنى من كرامتهم، وعزتهم, ونخوتهم، وهم يرون سورية وشعبها الباسل، تحاصَر، وتعاقَب، وتجوَّع! مَن مِن هؤلاء اليوم يقفون وقفة عزّ وعنفوان، كالتي وقفها يوماً جمال عبد الناصر، ومعه اتحاد العمال العرب وكلّ الشعوب العربية!

أين هي النقابات العربية اليوم، ومجموعات الضغط، والأحزاب الوطنية والقومية، والفاعليات السياسية والفكرية، التي روّضتها، واستوعبتها، وصادرتها الأنظمة التي انبطحت، وارتمت في أحضان الامبراطورية المتوحشة! أنظمة عربية حرّضت، وتآمرت، وشجّعت قوى العدوان والسيطرة، على التمادي في غيّها، تجاه شعوبنا، وفرض عقوباتها الجائرة علينا! ما كان قانون قيصر الذي فرضه القرصان الدولي على سورية، إلا نتيجة للخنوع والذلّ والعمالة التي ارتضاها الأعراب لهم ولأمتهم.

ألا تحتاج سورية ودول العالم العربي، في هذه الأوقات العصيبة، الى «كليوباترا» جديدة، وإلى اتحاد عمال عرب، وزعماء شرفاء أقحاح، يقولون كلمتهم ويقفون وقفتهم الشجاعة، وإنْ عزّ في زمننا العربي القادة والرجال!

 

*وزير الخارجية والمغتربين اللبناني  الأسبق.