بالتوازي مع الارتفاع الجنوني لأسعار الحليب ومشتقاته من الأجبان والألبان، وعدم قدرة أصحاب الدخل المحدود على تحمل أعبائها، يجري البحث عن بدائل غذائية رخيصة الكلفة لغير القادرين على شراء منتجات الألبان ومشتقاتها الطبيعية التي سبق وأن سميت بأشباه الألبان قبل أن يستبدل اسمها بمصطلحات تتناسب مع طبيعة المادة. ويجد الكثيرون ألا خيارات بديلة أمامهم بالنظر لقدراتهم الشرائية المتواضعة.

معضلة صعبة الحل

فعندما نتحدث عن ارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته يتبادر إلى أذهاننا الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف التي تحتاجها الأبقار، فيقول أبو فارس مربي وصاحب مزارع ماشية أن أسعار العلف ارتفعت عن العام الماضي أكثر من ضعف سعرها، إضافةً إلى أن سعر كيلو العلف في الوقت الحالي أصبح يضاهي سعر الحليب، عدا عن انقطاع الكهرباء المتواصل، ما أدى إلى الاستعانة بالمولدات واللجوء إلى البنزين من “السوق السوداء” لتشغيل حلابة الأبقار، ناهيك عن أن تكلفة علف البقرة الواحدة تقارب ٤٥٠ ألف شهرياً أي بمعدل ١٥ ألف يومياً، والطامة الكبرى تقع على عاتق المربين في حالة إصابة الأبقار بالأمراض، وهذا يتطلب من ١٠ أيام إلى أسبوعين لشفائها ودون أن تعطي حليباً، عداك عن تكاليف علاجها التي أثقلت كاهلهم؛ وهذه كانت أسباباً رئيسة لعزوف الكثير عن تربية الأبقار، مؤكداً أنه وزملاؤه من مربي الأبقار بانتظار أن توفي الجمعية الفلاحية بوعودها تجاههم وأن تتحمل جزءاً من الأعباء الملقاة على عاتقهم وتقدم الأعلاف (نخالة ومركب) بسعر مدعوم ربما قد تكفي المواشي لعدة أيام ولكنها تكون بمثابة مساعدة رمزية بالنسبة لهم.


أما أصحاب محلات الأجبان والألبان فقد أجمعوا على أن ارتفاع سعر الحليب يعود بالكاد إلى ارتفاع أسعار الأعلاف والتي يعاني منها المزارع، فسعر الحليب يخضع للعرض والطلب وهم ملزمون بالسعر الذي يفرضه عليهم المزارع، وهذا ما يلزمهم برفع سعر الحليب على للمستهلك، لافتين إلى أن لبن السكب المصنوع من حليب البودرة والمستحلبات والنشاء والزيوت النباتية، موجود في الأسواق وبكثرة وهو أقل من حيث القيمه الغذائية والتكلفة على المستهلك من اللبن البلدي، وثمة إقبال عليه نتيجة عدم القدرة على شراء الأفضل.

أمراض مستقبلية

وعن مدى تأثير المواد شبيهة بالألبان والأجبان على الأطفال، تحدثت الدكتور هتون الطواشي مديرة الصحة المدرسية في وزارة التربية أن هذه المواد تحتوي على مواد نشوية كالطحين ونشاء الذرة بدلاً عن البروتينات والدسم وهي غير محبذه في هذه الأعمار الصغيرة لأنها تعطي الطفل إحساساً بالشبع دون أن تعطيه التغذية المناسبة الضرورية من أجل نموه، مما قد يعرضه للإصابة بسوء التغذية بمختلف أشكالها، وتضيف أن الطفل في فترة النمو يحتاج إلى غذاء متوازن يحتوي على كامل الزمر الغذائية كالسكريات والبروتينات والدسم وأن أي اختلال في أي عنصر غذائي من هذه العناصر قد يؤثر بشكل سلبي على نموه ويعرضه إلى الإصابة ببعض الأمراض كفقر الدم بعوز الحديد و الكساح وغيرها من الأمراض.

يفي بالغرض

وتؤكد الطواشي أنه بالنسبة للأطفال الصغار بعد عمر السنتين وحتى عمر الخمس سنوات يبقى الحليب ومشتقاته مصدراً أساسياً للبروتين والكالسيوم عند الأطفال ولا يمكن استبدالها بمنتجات أخرى، ولكن تكون الكميات أقل، أما الوجبات التي يحتاجها الطفل لتساعد على نموه بالشكل الصحيح تقول الطواشي أنه يمكن التنويع بين الحليب والجبن واللبن والزبدة وجميع هذه المشتقات لها الفائدة ذاتها وقد يكون من المناسب إضافة للبروتينات النباتية مثل الفول والحمص والعدس ولكنها لا تستطيع التعويض عن البروتينات الحيوانية بالكامل كالحليب ومشتقاته والبيض واللحوم بأنواعها والتي لابد من وجودها في النظام الغذائي للأطفال بهذا العمر ولو بكميات قليلة في حال وجود صعوبات اقتصادية في تأمينها.

بمن استنجد

تقول أم يوسف موظفة 38 عاماً أنها اختصرت كمية الحليب التي تقدمها لأبنائها الثلاثة، فكانت تحتاج كيلو حليب يومياً، وبحسبة بسيطة بعد أن أصبح سعر الكيلو 1600 ليرة وهذا يتطلب منها حوالي 48 ألف ليرة شهرياً أي ما يعادل أكثر من نصف راتبها، وهو ما يشكل عبئاً ثقيلاً على الراتب المنهك أصلاً، فهي اليوم لا تستطع إلا تقديم الكمية نفسها كل ثلاثة أيام، وإن أي زيادة إضافية في سعر الحليب قد تؤدي إلى حرمان أبنائها من هذه المادة الضرورية لبناء أجسامهم.

أما أم أحمد، ربة منزل، 32 عاماً، وهي زوجة شهيد، فتشرح معاناتها في تأمين مادة الحليب لابنها صاحب الأربع سنوات، فهي تضطر إلى خلط الماء بالحليب لتستطيع أن تقدم كأس حليب يومي لابنها الوحيد، فلا يوجد معين لها سوى راتب زوجها الذي لا يكفي لوجبة الفطور.

أخيراً لا يهم المستهلك ولا يكترث إلى الأسباب التي أدت إلى ارتفاع تكاليف مائدة الطعام الصباحية التي تتناقص يوماً بعد يوم؛ لأنها بالتأكيد لن تغني ولا تسمن من جوع، بل يحتاج لكوب حليب ساخن بين يدي ابنه، إضافةً إلى مشتقات الألبان والأجبان التي ترافقه في رحلة يومه المدرسي، والتي قد ينسى طعمها في حال بقي الحال على ما هو عليه.

 البعث