في يوم صيفي حار..كنت على الهواء عبر اذاعة دمشق وفق فترتنا الاذاعية المخصصه..نتلقى اتصالات الاخوة متابعينا عن بعض المشكلات الخدميه وغيرها ومن ثم نقوم بالاتصال بالجهات المسؤولة والمعنية سعيا وراء حلها...
وإذا بزملائي بالكونترول يحدثونني عبر الهيتفون بأن هناك طفلة صغيره تريد التحدث معي..أشرت لهم بايصالها معي...
قالت لي مرحبا أريد احكي مع الاستاذ عبد الرحيم..
قلت تفضلي انا معك...قالت انا اسمي نهله وتعذبت كتير لاحكي معك..(تبين لي انها تتحدث بلهجة بدوية ظريفه) قلت تفضلي يانهله..انت على الهواء.. كام عمرك..قالت سبع سنوات وسبع اشهر وثمانية ايام قلت ماشاء الله يانهله تعرفين عمرك بالايام قالت وبالساعات...(شدت الطفلة اهتمامي. فاحببت ان اطيل حديثي معها)...قلت بأي صف يانهلة..قالت انا بالصف الثاني قلت وهل انت مجتهده.. قالت أنا الاولى في صفي..قلت ماشاء الله والآن يانهله اطلبي ماذا تريدين انت على الهواء والناس تسمعك..قالت شكواي ماتنحل عالراديو..انت لازم تجي لعنا...قلت هل هناك من شيء يضايقك يانهله..؟
قالت انا متضايقه جدا وابكي بالليل والنهار..؟..قلت لها الم تعلم والدتك اووالدك بما تعانيه...؟.. قالت امي تحبني كتير ووالدي ايضا وهم يشعرون بي....قالت بس لازم تجي لعنا يا استاذ..(حديث الطفلة نهله اخذ اهتمامي لماشعرت  مابداخلها من معاناة تجعلها تبكي الليل والنهار...؟
قلت لها اين تسكنون....؟..
قالت في قرية البيضه أو البياض.. قلت واين هذه القرية..  
قالت في ناحية معر الشحور...(هذه الناحية تبعد عن مركز مدينة حماة الى الشمال الغربي حوالي ستين كلومترا واكثر على ما اعتقد.)..كانت الساعة قد قاربت الثانية ظهرا ..وبدون تردد..قلت يانهلة إنتظرينا اليوم سنكون عندك اليوم ..سمعتها تصرخ فرحا...وهي التي تركت في نفسي الكثير من التساؤلات حول حزنها وبكائها وهي طفلة في عمر الزهور...
● بعد ان انهيت فترة الهواء كان زميلي المصور حكم عدي قد سمع حديث الطفلة وجهز نفسه لهذه المهمه مع فريق التصوير.. وهم ممن عهدت بهم المروءة وحب العمل وسرعة الاداء والخبرة المتميزه..
●انطلقنا باتجاه ناحية معر الشحور وقد كانت الساعة الثالثة ظهرا والحرارة تكاد تصل فوق الاربعين درجه..
● بعد مسير حوالي ساعة وعناء البحث عن القرية.. وصلنا الى  البياضه وكان في استقبالنا والد نهله ووالدتها مرحبين بنا..
جلسنا في بهو البيت الاسمنتي المبني وسط ساحة صغيرة تصوينتها بعض النباتات المزروعه وبعض الحجارة والسياج....
قلت اين نهله...ناداها والدها وبعد مرور دقيقه جاءت نهله طفلة كالملاك الصغير..؟. 
كانت صدمة لنا جميعا..؟ لاحول ولا قوة الا بالله...؟؟؟.. 
كانت المفاجأة قد اخذت منا كل مأخذ...؟
● كانت طفلة جميلة جدا ..ولكن بدون ساعدين...؟ 
شعرها خرنوبي ينسدل على كتفيها تعلو وجهها ابتسامة طفلة تحاول ان تحكي الكثير.. قلبها يخفق بشده..انفاسها متسارعه..لقد كان ساعديها مبتورين من الكتفين...؟؟ ..سبحان الله بدى التأثر واضحا على وجوهنا..طفلة صغيرة بدون ساعدين من الكتف..سارعت لاكسر الصمت..وابتلع غصتي.. رحبت بنهله وكانني لم اشاهد اعاقتها ..قلت اهلا بك يا نهله..  سمعت انك مجتهده ممكن أن تسمعينا مما تحفظيه والتفت لوالدها اريد تفسيرا.. واذا بها تأخذ انتباهنا بذكاء ملحوظ.. لتلقي امامنا الشعر والاناشيد بلغة عربية ملفته...قلت لها سنجري معك مقابله تلفزيوتيه..وسنسجل نشاطك..
علت وجهها ابتسامة طفليه ومازالت الدهشة تتمكن مني والالم الخفي يسكن داخلي..قال والدها لقد خلقت هكذا ..ولكنها تستطيع ان تقوم بخدمة نفسها بقدرة عجيبة منحها الله لها في قدميها بدل يديها والحمدلله....       
● انشدتنا بعض ابيات الشعر وغنتنا اهازيج البدو والعشائر..وامسكت قلما بأصابع قدمها وكتبت في دفترها بخط جميل جدا وسرعة ملفته ..قلت بهمس.. هل هناك صعوبه باطعامها....؟.. وضعوا امامها زيوتونا وجبنة وزيت وزعتر ومائدة سريعه.. والمصور حكم يستمر بتصويرها..فكانت سبحان الله تتناول الزيتونه باصابع قدميها كيديها تماما بل اكثر دقه وترمي البزره..وتفطع الرغيف وتشرب الشاي....ثم قامت بتمشيط شعرها الجميل.. ازهلتنا نهله بقدراتها البديله
● قلت لها الآن سنتحدث على التلفزيون.. قالت.. ألا يهزأ الناس مني..؟
قلت لها بل انت اجمل وافضل من الجميع ..اجريت اللقاء.. سالتها عن نفسها والعابها وحفظها..كانت تجيبني بطلاقه..
.سألتها عن معاناتها وشكواها..اطرقت برأسها طويلا ثم قالت والدموع تملأ مقلتيها..إنهم يؤذونني ...في باحة المدرسه رفقاتي الذين احبهم....ونحن نلعب يدفعوني على الارض لاقع على وجهي وليس لي يدين لاحمي وجهي من الوقوع وهم يضحكون والدم يسيل من انفي وفمي.....قلت وهل شكوتهم للاداره..؟..قالت اني احبهم وأخاف ان يغضبوا مني....؟
● بحديثها ازداد تأثري..قلت لها ماذا تحلمين ان تصبحي في المستقبل..
قالت احب ان اكون معلمه.. اساعد من هم بدون ساعدين..
قلت هل هناك امنية اخيره يانهله قبل ان انهي اللقاء....قالت بعد صمت للحظات والدموع مازالت تنهمر من عينيها نعم هناك أمنية..قلت ماهي..قالت دائما أشاهد حلما ان الله انبت لي ساعدين ويقولون ان بعض الاحلام تتحقق....واطلب من كل من يشاهدني ان يدعو ليتحقق حلمي....وعدتها بأن انقل رغبتها والتأثر يسكنني على هذه الطفلة التي تتفوق على اعاقتها بايمانها الكبير وتنتظر ان ينبت الله لها ساعدين جديدين....؟؟؟؟
في اليوم الثاني عرض الموضوع على الشاشه وترك اثرا في نفوس المشاهدين... وفي اليوم الذي تلاه اتصلت بي إدارة الهيئه طالبة عنوان بيت الطفله مؤكدين لي انه تقرر ارسالها الى المانيا لتركيب ساعدين صناعيبن تعملان بالاستشعار العصبي عبر الدماغ..
● هنا تأكد لي..انه من ركام الالم..قد تأتيك سعادة الروح ..
لقد حقق الله حلم الطفله التي أصبحت اليوم شابة يافعه..اتمنى سماع أخبارها..
دمتم بالف خير وعافيه...
      عبد الرحيم فاخوري.