سامي كليب:

                  كان وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان، يبتسم وهو يُشاهد إرباك رئيس الحكومة نجيب ميقاتي خلال استقباله له في القصر الحكومي، ويُدرك أن رجل الأعمال الثري وابن طرابلس كان يتمنّى الا يحصل هذا اللقاء المُحرج في لحظات مُحرجة، خصوصا أن السعودية لم تفتح له أبوابها بعد، والولايات المتحدة الأميركية المتحكّمة بماله وأموال كثيرة على هذه الكوكب، لا تستسيغ كثيرا جولات وصولات إيران في لبنان، ولا التنسيق الإيراني الروسي في هذه المنطقة من العالم.

                 في الابتسامة الإيرانية معانٍ كثيرة، والمفاوِض الإيراني يُحسن استخدامها منذ مئات السنين حتى ولو كان في كثير من المرّات يُفكّر بعكسها، فمَنطِقا القوة والدبلوماسية متلازمان في السياسة الخارجية لبلاد الثورة الإسلامية التي سعت لتجديد شيء من ثورتها وتشدّدها عبر انتخاب إبراهيم رئيسي رئيسا للبلاد، واختيار اللهيان وزيرا للخارجية.

 
             في الابتسامة المُحرجة عنوان بارز جاء به المسؤول الإيراني الى بيروت من موقع القوة مفاده: لدينا الحلّ لكل مشاكلكم، لكن عليكم الإقدام بجرأة أكبر لقبول عرضنا حتى لو غضب الأميركيون، أو حاولوا أن تُقنعوا الأميركيين بذلك. فلدينا مشتقات نفطية، ونستطيع إقامة مترو أنفاق  بطول 200 كلم وانشاء معامل كهرباء وارسال ادوية اعلى جودة من تلك التي تشترونها من الغرب وبسعر أقل بكثير، إضافة الى المواد الغذائية.

         في الابتسامة المُحرجة أيضا، غمز من القناة السعودية، وكأن الزائر الإيراني يقول لمضيفيه: لماذا تخشون ردة الفعل السعودية، ونحن نتفاوض معها، فهو أكد:” أن المحادثات الإيرانية السعودية تسير في الاتجاه الصحيح، ولكننا نحتاج للمزيد من الحوار، وأن دوري إيران والسعودية لهما بالغ الأهمية لإرساء وتعزيز الاستقرار في المنطقة”، مع إشاراته المُتعمّدة أيضا الى أن هذه المحادثات السعودية الإيرانية لم ولن تتطرق الى الوضع اللبناني ” لان هذا شأن لبنان وبحاجة لوجود لبنانيين”.

كونوا كالعراق

كان في الابتسامة أيضا غمزٌ من القناة الأميركية، بحيث أكد الوزير الإيراني أن بلاده مقبلة على استئناف التفاوض في جنيف لكن للعودة فقط الى الاتفاق النووي وليس لأي أمر آخر، مُشيرا في الوقت نفسه الى أنه ” على دول المنطقة وشعوبها الاّ تسمح للولايات المتحدة بالنجاح في حربها الاقتصادية وحصارها للبنان” لافتا الى أن الأمل في كسر هذا الحصار قد يحصل من خلال ” الانفتاح الإقليمي” ( أي من بوابة التفاوض الإيراني السعودي والعلاقات الإيرانية التركية والإيرانية القطرية وغيرها ).

وفي سياق زيادة الاغراءات القصوى للبنان، أراد عبد اللهيان أن يشير الى أن الخوف الرسمي اللبناني من الأميركيين فيه الكثير من المُبالغة، ذلك ان العراق الذي فيه قواعد أميركية وفيه تأثير أميركي مواجه للتأثير الإيراني (رغم تعاون الطرفين في بعض المرّات)، كان أكثر جرأة، وأن ايران بنت في البصرة معملا لإنتاج الكهرباء بقوة 5 آلاف ميغاوات، وقال إن على اللبنانيين طلب استثناءات عقابية من الاميركيين تماما :” كما حصل في العراق وافغانستان، حتى في عزّ ولاية دونالد ترامب».

نحن وأميركا والأسد

وكي يزيد الطين بِلّة، ويُضعفَ مواقف رافضي إيران أكثر في لبنان، فتح عبد اللهيان بعض خزائن أسراره ليضع الإصبع على مسألة أن لأميركا مصالح لا مبادئ فكشف نقطتين هامتين

أولا: ” عرض علينا الأميركيون في  خلال الأزمة في سوريا ان نتخلّى عن الرئيس بشار الأسد في مقابل ان يكفلوا مصالحنا في سوريا والمنطقة، لكننا رفضنا أي مقايضة او مساومة من هذا النوع، فذهبوا الى الروس وحاولوا إقناعهم بأنّ سوريا أهم من الأسد، ويجب أن يدعوه يسقط، لأنّه كان همّ الولايات المتحدة ضرب حلقة الوصل التي يمثلها هذا البلد، الّا انّ موسكو رفضت أيضاً التجاوب مع هذا الطرح”.

 
ثانيا : كذلك واشنطن “عرضت علينا القبول بامتلاكنا قنبلة نووية في مقابل ان نتخلّى عن فلسطين ونعترف بالكيان الصهيوني، انما هذا الأمر غير وارد بتاتاً لدينا، ولن نتراجع عن خيارنا الاستراتيجي و امتلاك قنبلة نووية هو أمر  محرّم شرعاً، ولا نريده”.

ميقاتي ردّ الاحراج

كلّما كان عبد الأمير اللهيان الموصوف بأنه من صقور الإدارة الإيرانية الجديد، يُطلق هذه المواقف والشعارات المغلّفة بابتسامته ذات الرسائل الكثيرة، كلّما كان ميقاتي يزدادُ إحراجا، فكان لا بُد من توجيه رسالتين عربية ودولية من مكان له رمزيته البالغة حاليا في رفض حزب الله والوجود الإيراني، أي بكري، مقر البطريرك الماروني بشاره الراعي.

لم يكن من قبيل الصُدفة أبدا أن يقول ميقاتي الذي وصل الى منصبه الحالي بدعم من معظم الأطراف المحليّة وبينها حزب الله نفسه:” السعودية قبلتي السياسية وقبلتي كمسلم” وذلك بعد قوله ان دخول النفط الإيراني الى لبنان انتهاك للسيادة اللبنانية.

 
الواقع ان الشعار الجديد الذي رفعه ميقاتي في بكركي قائلا إن ” العين بصيرة واليد قصيرة” بدا ضعيفا أمام الاغراءات الإيرانية التي أرادت القول ” بدل أن تبقى يدك قصيرة، مدّها صوبنا للنقذك” ولعلّ رئيس الحكومة اللبنانية  لذلك   تمنّى على الزائر الإيراني أن يطلب من الأميركيين السماح بالتعاون الإيراني اللبناني. وفي ذلك رفع واضح للعتب، وتخفيفٌ للحمل عن كاهله.

ولا شك أنه لو شعر ميقاتي بأن أمور السعودية وأميركا تسلك مع طهران، فهو حتما سيكون أول وأكبر المستثمرين على الأراضي الإيرانية، تماما كما فعل سابقا في سوريا. فالرجل غالبا ما نجح في أن تكون أعماله أقوى من التناقضات السياسية ومبادئها.

زيارة مُريحة

هذا في المضمون، أما في الصورة، فإن الوزير الإيراني الذي جاء الى ساحة مُريحة له بشكل عام عبّر عنها تماما بلغة الجسد، يُدرك أن المؤيدين لبلاده أكثر عددا من المعارضين إما ولاءً أو حاجةً،  ولذلك فقد تصرّف وسيتصرّف في بيروت من منطلق ” المنتصر” في المنطقة، فهو جاء  عشية الانتخابات العراقية التي سيكون لطهران فيها الكلمة الفصل، وعشية تعزيز مؤشرات الانفتاح العربي والدولي على سورية، وفي فترة ارتفاع وتيرة هجمات الحوثيين، وفي زمنِ كسبِ حليفه حزب الله رهانَ إيصال النفط وتوزيعه.

الجملة المفصلية

لعل الجملة المفصلية التي قالها في لقائه مع شخصيات وإعلاميين لبنانيين في ختام زيارته، والتي نقلها الزميل عماد مرمل، أكثر من لافتة حين قال :” إن أمن لُبنان وتقدّمه هو أمنٌ لإيران وتقدم لها أيضا“. هذا يعني الكثير في الوقت الراهن، خصوصا ان الوزير الإيراني قال أيضا “إن طهران ستبقى الى جانب لبنان على الرغم من كل الضغوط، كما وقفت الى جانب سوريا والعراق وفلسطين واليمن”.  فهذا المُربع السياسي الأمني الذي يشمل 4 دول عربية بات حاضرا في الذهن الإيراني كمحور متكامل، ومثلُ هذا الكلام يقترب كثيرا من ذاك الذي كان يقوله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عن ترابط الأمن في لبنان وسوريا وعن شعب واحد في دولتين. لا بل انه يتخطاه كثيرا بالجغرافيا.

هنا لا بُد من طرح الأسئلة التالية:

لماذا يخشى بعض اللبنانيين حضورا قويا لإيران وهي التي ضاعفت تجارتها البينية مع الإمارات العربية في الأشهر الماضية، وانخرطت في مفاوضات مع السعودية وعائدة للتفاوض مع أميركا؟ يبدو ان الخوف ليس منها وانما من أن يساهم هذا الحضور في تعزيز دور حزب الله في السلطة وتوسيعه.
هل لدى الخائفين بدائل عن العروضات الإيرانية؟ هذا يُذكّرنا برئيس جزر القمر عبدالله سامبي الذي قال مرة على شاشة ” الجزيرة”:” قلتُ للعرب تعالوا فيدونا واستفيدوا، لكنهم امتنعوا، فجاءت إيران وقدّمت لنا كل شيء، فصاروا يعيبون علينا تعاوننا مع طهران”. فلو توفّر البديل عن هذه العروض الإيرانية، لأضعف كثيرا الموقف الإيراني.
هل يستطيع لبنان قبول العروضات الإيرانية؟ نعم اذا ما كان ذلك من خلال مؤسسات الدولة، تماما كما تفعل الامارات التي تتعاون مع إيران وأميركا في الوقت نفسه، أو السعودية التي رفعت مستوى علاقاتها مع الصين الى أكثر من 80 مليار دولار دون كسر التحالف التاريخي مع أميركا.
ماذا تستطيع أميركا فعله لمواجهة هذا الحضور الإيراني؟ الواضح ان فيكتوريا نولاند نائبة وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن، ستزور بيروت في الأسبوع المقبل بعد مرورها الى موسكو. وكان عبد اللهيان سبقها الى العاصمة الروسية قبل مجيئه الى بيروت أيضا. وهي ستحاول الالتفاف على زيارة المسؤول الإيراني، وتحذر السلطات ( خصوصا انها قادرة على الضغط من خلال صندوق النقد الدولي) من الذهاب بعيدا في التعاون مع ايران، وتشجّع المجتمع المدني من منطلق رغبات غربية بأن يحدث بعض التغيير في البرلمان المقبل الذي ستشدد نولاند على ضرورة اجراء انتخاباته بشفافية ومراقبة . لكن إن لم تقل ان أميركا تستطيع حل مشاكل الكهرباء والدواء والغذاء، فسيبقى كل ما تقوله أقل قوة وحضورا مما قاله عبداللهيان.
قد يعتقد اللبنانيون أن هذه الاتصالات الدولية تتمحور حول بلادهم، والواقع أن هذا غير صحيح أبدا، فالعالم مهتم بمرحلة ما بعد أفغانستان والانسحابات الأميركية المرتقبة من المنطقة والعلاقات الصينية الأميركية والاتفاق النووي والتوتر الاذربيجاني الإيراني ومآلات التفاوض السعودي الايراني، وطالما اللبنانيون منقسمين بين المحاور، فهم سيبقون مجرد ورقة على طاولات الأمم، بدلا من الإفادة من جميع الأمم كما يفعل غيرهم. فما الضير من التعاون مع الإيراني والأميركي والروسي والسعودي، اذا كان ذلك في مصلحة لُبنان، وليس لأجل بيع الوطن للخارج؟

 
 الواضح، على الأقل حتى الآن، أن زيارة عبد اللهيان حقّقت مبتغاها، وسجلت أهدافا عديدة في المرمى الأميركي، فماذا ستفعل واشنطن؟ هل تخفف الحصار عن لبنان عبر سوريا والأردن ومصر وتسعى لتوسيع فتح أبواب الخليج أكثر، وتسرّع خطوات صندوق النقد الدولي؟ ربما نعم، إذا أرادت فعلا أن لا تترك الدور الإيراني يتوسّع أكثر في دولة كانت تاريخيا تعتبرها في المدار الغربي رغم الوجود اليساري والتنظيمات الفلسطينية حتى ظهور حزب الله. أما اذا اتفقت واشنطن وطهران، وهذا محتمل، فأين سيكون لبنان؟ من المهم مراقبة ذلك عن كثب.

لعبة الامم