أطاحت شهادة أكبر خبير في الأمراض المعدية في البلاد بالتقييم المتفائل للرئيس ترامب، واصفة الأمر بوجود بعض النقاط المضيئة وسط اتجاهات مقلقة وغير معروفة.

أبلغ الدكتور أنتوني فاوتشي، كبير خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة الأميركية، الكونغرس يوم الثلاثاء أنه يشهد "زيادة مزعجة" في عدد الإصابات بفيروس كورونا في بعض أجزاء البلاد، حيث يتجاهل الأميركيون المبادئ التوجيهية للمسافة الاجتماعية ويعاد فتح الولايات من دون خطط كافية لاختبار وتعقب اتصالات أولئك الذين يصابون بالمرض.

ورسم فاوتشي، خلال جلسة استماع مطولة أمام لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب، صورة أكثر تشاؤماً لخطر فيروس كورونا من تلك التي قدمها الرئيس دونالد ترامب، الذي زعم الأسبوع الماضي أن الفيروس، الذي أصاب أكثر من مليوني أميركي وقتل أكثر من 121000 شخص، "سيتلاشى".

ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن فاوتشي، الذي شهد بأن الفيروس لم يكن تحت السيطرة في الولايات المتحدة، قوله إن "الفيروس لن يختفي".

وجاءت شهادته فيما كان أكثر من نصف البلاد يشهد ارتفاعاً في حالات الإصابة، حيث أبطأ المسؤولون في بعض الولايات خططهم للعودة إلى العمل أو حتى تم فرض قيود جديدة. وألقى فاوتشي وثلاثة قادة آخرين في لجنة الاستجابة الحكومية لفيروس كورونا الذي شهد يوم الثلاثاء، بظلاله على الرواية المتفائلة التي قدمها الرئيس وهو يصور الولايات المتحدة على أنها دولة ترتد من حافة الهاوية.

وقال الأدميرال بريت بييروير، مساعد وزير الصحة العامة، "أنا حذر جداً ولا أزال لا أنام جيداً في الليل، لأن أمامنا طريق طويل لنقطعه."

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من إعلان ترامب حالة الطوارئ بسبب الفيروس، قال فاوتشي إن الصورة كانت خليطاً من بعض النقاط المضيئة وبعض النقاط المظلمة والعديد من الأمور المجهولة. وقال إن بعض الولايات مثل نيويورك "تبلي بلاء حسناً" في السيطرة على انتشار الفيروس، لكن الزيادة في ولايات أخرى "مزعجة للغاية بالنسبة لي". وأضاف: "سيكون الأسبوعان المقبلان حرجين في قدرتنا على معالجة تلك الطفرات التي نشهدها في فلوريدا وتكساس وأريزونا وولايات أخرى".

وحذر فاوتشي وروبرت فيرفيلد، مدير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، من وضع خطير يلوح في الأفق هذا الشتاء، عندما يتقاطع موسم الأنفلونزا العادي مع فيروس كورونا، وينتج ما وصفه فاوتشي بأنه "نوعان من الالتهابات التي ينقلها الجهاز التنفسي يختلط الواحد بالآخر في وقت واحد".

وجاءت جلسة الاستماع حيث كانت البلاد لا تزال تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الفيروس. واتفق الخبراء على عدم وجود ما يكفي من الاختبارات تقريباً، وتفتقر الولايات المتحدة إلى ما يكفي من متتبعي الاتصال لتعقب وعزل أولئك الذين اتصلوا بالأشخاص المصابين - وهي خطوة حاسمة في السيطرة على انتشار الفيروس. واعترف الأدميرال جيروير أنه حتى 500000 اختبار كانت البلاد تجريها يومياً لم تكن كافية. وقال دكتور ريدفيلد إن البلاد لديها 28000 متتبع اتصال، وهو جزء من 100000 قال سابقاً إنها ستحتاجها.

وقال فاوتشي إن اللقاح لفيروس كورونا لن يكون جاهزاً حتى نهاية هذا العام أو أوائل عام 2021 على الأقل، مكرراً الجدول الزمني الذي حدده في الماضي. وقال إنه "متفائل بحذر" حيال تحقيقه. كما تعهد للمشرعين بأنه لن يسمح لأي لقاح بالذهاب إلى السوق حتى يثبت أنه آمن وفعال. وحتى ذلك الحين، قد تكون هناك لقاحات مختلفة لمختلف السكان، وقد يتطلب البعض اللقاحات المعززة.

في غضون ذلك، قال شهود في الجلسة إنه من الضروري للأمة أن تخزن أقنعة ولوازم أخرى.

واستمرت جلسة الاستماع الواسعة النطاق، والتي ضمت د. ستيفن هان، مفوض إدارة الغذاء والدواء، أكثر من خمس ساعات. وتناولت الأسئلة حول كيفية تعامل الجامعات والمدارس العامة مع إعادة الفتح – حيث يجب على كل مدرسة أو منطقة إجراء تقييمها الخاص بناءً على شدة تفشي المرض، كما قال فاوتشي. كما تناولت الأسئلة الإلغاء الغامض لمنحة بحثية بقيمة 3 ملايين دولار لمجموعة كانت تدرس فيروس كورونا في الخفافيش في ووهان، الصين، حيث نشأ تفشي الوباء.

وقال فاوتشي: "تم إلغاؤها لأن المعاهد الوطنية للصحة طلبت ذلك، دون مزيد من التفاصيل. وقال: "لا أعرف السبب، ولكن قيل لنا أن نلغيه."

وحاول المشرعون من كلا الحزبين حث الشهود وخاصة فاوتشي - الشاهد الوحيد الذي لم يعين تعييناً سياسياً من قبل الرئيس ترامب - على إبداء ملاحظة قد تساعد أو تؤذي ترامب. وقال فاوتشي إن الأميركيين بحاجة إلى القيام بعمل أفضل لاتخاذ الاحتياطات اللازمة للحد من انتشار الفيروس. وأوضح: "الخطة أ: لا تذهب في حشد من الناس. الخطة ب: إذا قمت بذلك، تأكد من ارتداء قناع".

وقبل وقت قصير من بدء جلسة الاستماع، استخدم ترامب موقع تويتر ليشكو من أنه لم يحصل على الفضل في استجابته لتفشي الفيروس، مشيراً إلى أن الدكتور فاوتشي، "الذي معنا جميعاً"، حصل على موافقة عالية جداً من الجمهور بنسبة 72٪، وهو تصنيف أعلى بكثير من الرئيس، الذي يقف حول 41 في المئة.

وأوضح الأطباء الأربعة الذين أدلوا بشهاداتهم يوم الثلاثاء أن الولايات المتحدة كانت بالكاد تخرج من الخطر. وعلى الرغم من الحديث عما يسمى بالموجة الثانية للوباء، قال فاوتشي إن الأمة لا تزال في منتصف الموجة الأولى. وقال د. ريدفيلد إن الأزمة "أنزلت هذه الدولة على ركبتيها"، محذراً من أنه عندما يتزامن الفيروس مع موسم الإنفلونزا هذا العام، ستواجه المستشفيات والعاملين الصحيين ضغطاً هائلاً. وقال إن الحصول على لقاح الأنفلونزا أمر لا بد منه. وأوضح: "هذا السلوك سينقذ الأرواح".

وكان الكثير من الحديث خلال جلسة الاستماع حول اختبارات الإصابة بكورونا. وناقض الأطباء الأربعة ادعاء الرئيس في تجمعه الانتخابي في تولسا بأنه طلب من "أنصاره" "إبطاء إجراء الاختبارات" لأن زيادة الفحص تكشف عن المزيد من الإصابات، مما يجعل البلاد تبدو سيئة. وقال كل منهم إنه لا يعرف مثل هذا الطلب.

وقال الأدميرال جيروير، الذي تم تعيينه "قيصر الاختبار" من قبل الرئيس: "نحن نسير في الاتجاه المعاكس - نريد إجراء المزيد من الاختبارات وذات جودة أعلى. إن الطريقة الوحيدة التي سنتمكن بها من معرفة من هو الشخص المصاب، ومن هو مصاب ويمكنه اجتياز المرض، والقيام بالبحث عن جهات الاتصال المناسبة هي إجراء الاختبار بشكل مناسب وبذكاء ولأكبر عدد ممكن من الأشخاص."

ودفع الدكتور هان ضد اقتراح الديمقراطيين بأن البيت الأبيض ضغط على إدارة الغذاء والدواء في تعاملها مع عقار الملاريا "هيدروكسي كلوروكوين"، الذي روج له ترامب كعلاج. وقال: "أستطيع أن أقول لكم إنني لم أشعر بضغوط سياسية، ولا أنا من وكالة التنمية الفيدرالية، لاتخاذ أي قرار في أي اتجاه محدد".

كما عاد المسؤولون والمشرعون مراراً إلى مسألة معدلات إيجابية الاختبار، وهو مؤشر يكشف عن شدة تفشي المرض أكثر من عدد الاختبارات الإيجابية.

وشجع كل من ترامب ونائب الرئيس مايك بنس على أن الزيادة في الاختبار هو سبب ارتفاع الأعداد في جميع أنحاء البلاد، لكن فاوتشي قال في وقت ما يوم الثلاثاء إن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. وفي إشارة إلى الزيادة الأخيرة في معدلات الإيجابية في ولاية كارولينا الشمالية وأريزونا، قال فاوتشي إنها كانت مؤشرًا واضحًا على "الإصابات الإضافية المسؤولة عن تلك الزيادات".

وعبّر كل من فاوتشي وريدفيلد عن قلقهما بشأن قرار ترامب أواخر الشهر الماضي الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، قائلَين إنهما حافظا على علاقات طويلة الأمد مع منظمة الصحة العالمية، حتى عندما تحرك البيت الأبيض لمعاقبته على علاقتها مع الصين.

وبضغط من الكونغرس لوضع خطة لمعالجة التأثير غير المتناسب للفيروس على الأقليات العرقية، أعلنت الإدارة أنها قامت بمبادرة للقيام بذلك. وقال الأدميرال جيروير إن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بدأت مبادرة بقيمة 40 مليون دولار في كلية مورهاوس للطب، وهي كلية سوداء تاريخياً في أتلانتا، لتوعية الأميركيين في المجتمعات المحرومة - بما في ذلك القبائل الأميركية الأصلية - حول تهديد فيروس كورونا حتى يتمكنوا من الحصول بشكل أفضل على الاختبار والعلاج.

وكانت الجلسة في معظمها هادئة ومهذبة. لكن فاوتشي أصبح يشعر بالقلق الشديد عندما سأله النائب ديفيد ب. ماكينلي، الجمهوري من ولاية فرجينيا الغربية، عما إذا كان يعتقد أن وسائل الإعلام قد عاملت ترامب بشكل غير عادل فرفض الإجابة، وعما إذا كان يأسف لعدم نصح الناس بقوة أكبر ارتداء أقنعة في وقت سابق من الجائحة.

وقال فاوتشي وبدا غاضباً: "حسناً، سنلعب هذه اللعبة". فرد ماكينلي إنه كان سؤالاً بنعم أو لا. فأجابه فاوتشي: "هناك أكثر من نعم أو لا، بنبرة سؤالك. أنا لست نادماً على ذلك. دعني أشرح لك ما حدث. في ذلك الوقت، كانت هناك ندرة في المعدات التي احتاجها مقدمو الرعاية الصحية لدينا والذين وضعوا أنفسهم يومياً في طريق الأذى لرعاية المرضى".

وأحضر فاوتشي نفسه قناعين إلى جلسة الاستماع، واحدة سوداء ارتداها في الساعات القليلة الأولى، وأخرى حمراء مزينة بشعارات فريق البيسبول "واشنطن ناشونالز"، والتي أخبر اللجنة فيها بأنه "من المعجبين المتحمسين" له.

وعندما سُئل عن رفض ترامب ارتداء قناع، لم ينتقد فاوتشي الرئيس مباشرة، لكنه وجه توبيخاً ضمنياً، وأخبر المشرعين أنه من المهم للمسؤولين الحكوميين مثله ارتداء أقنعة الوجه، "ليس فقط لأنني أريد حماية الآخرين وحماية نفسي، ولكن كذلك لأكون قدوة". 

الكاتب: شيريل غاي ستولبرغ ونواه ويلاند
المصدر: نيويورك تايمز

ترجمة: الميادين نت