قبل أيام تم تعديل أجور النقل بين المحافظات ليكون التعديل الثاني بعد رفع سعر المازوت إلى ٥٠٠ ليرة في الشهر السابع، والغريب في الأمر أن التعرفات التي يتم إصدارها تكون أقل مما تتقاضاه وسائل النقل حتى وصلنا إلى حالة تشبه حالة سعر الصرف، التعرفة الرسمية تلحق السوق السوداء مع المحافظة على فارق ملحوظ يناور به تجار السوق السوداء، وبحالة مشابهة أيضاً لأسعار التجار الذين يحصلون على تمويل المستوردات مع فارق أن التعامل مع السوق السوداء في الصرف يتم في الخفاء بينما تقاضي الزيادة على التعرفات يتم بالعلن والمجاهرة والتحدي مرفق بعبارة "إذا لم يعجبك روح اشتكي".
الجهات العامة أصبحت مشابهة للقطاع الخاص في رفع الأسعار، فالمياه التي تم رفع سعرها لتتناسب مع تكاليف سعر الصرف الذي لامس خمسة آلاف لم تخفض أسعارها عندما انخفض سعر الصرف بل على العكس ذهبت إلى زيادة ثانية، و الإسمنت رفعت أسعارها مرتين رغم أن سعر الصرف لم يتغير.
اليوم وصلت أسعار بعض منتجات القطاع العام وخدماته إلى مستوى الأسعار العالمية رغم أنها إنتاج محلي ولا تزيد نسبة المستلزمات المستوردة لأجلها في أحسن الأحوال ١٠ % ، ما سبق يطرح عشرات الأسئلة عن أسس التسعير التي تعتمدها الجهات العامة، و حول المنطق في تحميل المواطن التكاليف العالية لإنتاج الجهات العامة بسبب قدم آلاتها وعمالتها الفائضة واهتلاكها العالي، وهدرها المرتفع، مضاف إلى كل ذلك الفساد والفشل الإداري نتيجة غياب المحاسبة وتحمل المسؤولية.
لا أحد ينكر آثار الحرب و يتجاهل الحصار و أضرار العقوبات، ولكن بالمقابل لا يمكن لأحد أن ينكر أيضاً فشل تكتيكات المواجهة، وغياب الاستراتيجيات، ولا أدل على ذلك من القرارات التي تم إصدارها ثم ألغيت، وأكثر منها القرارات التي صدرت ولم تنفذ ، والقرارات التي يجب أن تصدر ولم تصدر.
القطاع العام حمل البلد خلال الحرب، وكان ذراع الدولة في مواجهة كل الظروف، وكان حاملاً لصمودها، ولكن الغريب بعد كل هذا الحضور والدور أن نراه يتخبط وتضعف المؤسساتية لديه ويأخذ طابع التابع والمهرول للحاق بالقطاع الخاص بعد أن كان الضامن والمحدد لكل الخطوات و صانع السياسات.
مقولة إن الجهات العامة ستعمل بعقلية التاجر كي تستطيع المنافسة يبدو أن المعنيين فهموها بحرفيتها ، فنافسوه في رفع الأسعار وقد لامسوه في بعض الحالات، وسبقوه في حالات أخرى.