أحمد الدرزي


تمثّل قاعدة التنف أخطر قاعدة أميركية في شرق المتوسط، وقد تفوق بقدراتها الاستخبارية القواعد العسكرية الاستخبارية البريطانية في قبرص.

لم تمضِ بضعة أيام على بيان غرفة العمليات المشتركة لحلفاء سوريا بالرد القاسي على سلسلة الرسائل النارية الأميركية الإسرائيلية في مطار T4، وبعدها بأسبوع رسالة مزدوجة لثنائي الاحتلال والاعتداء، في هجومين غادرين على قاعدة حلفاء سوريا في تدمر، ومجزرة الطيّونة، حتى جاء الرد التفاوضي بخطوة أولى في قاعدة التنف، وبانتظار الخطوة الثانية في الجولان.

تمثّل قاعدة التنف أخطر قاعدة أميركية في شرق المتوسط، وقد تفوق بقدراتها الاستخبارية الدور الذي تلعبه القواعد العسكرية الاستخبارية البريطانية في قبرص، إضافة إلى قطعها الطريق الأقصر بين العراق وسوريا، والإطلالة على الممر الوحيد في منطقة القائم، الذي يتيح الفرصة لربط شرق المتوسط ببكين.

تحولت هذه القاعدة إلى هاجس مقلق للمحور الممتد من طهران إلى دمشق، ولا سيما بعد انكشاف الدور الجديد لها في حماية عناصر تنظيم داعش، الذين تمَّ نقلهم من سجون الحسكة، ليقوموا بالهجمات على القوى العسكرية السورية في البادية، واستمرار عرقلة فتح الحدود السورية العراقية بشكل آمن.

لم يكن استهداف هذه القاعدة عبثياً، بل جاء يحمل جملة من الرسائل الواضحة بتفاصيلها التي نُفّذت بها، وأولى هذه الرسائل أن هذا المحور انتقل علناً وبشكل واضح وصريح إلى الإعلان عن تغيير استراتيجيته الدفاعية الصامتة بعدم الرد والتعويل على تغيير الموقف الروسي التنسيقي للهجمات الإسرائيلية لتخفيف الإصابات بين قوى الحلفاء، إلى الإعلان الواضح والصريح بالرد القاسي على قوى العدوان وتنفيذه والإعلان عنه، ليقول إننا انتقلنا إلى المواجهة المباشرة مع الأميركي، بدل التعاطي معه عبر أدواته التي ما زال يعمل عليها وبها.

تأتي الرسالة الثانية بما حملته الطائرات المسيّرة من حيث موقع الانطلاق في العراق وسوريا، ليؤكد أننا ذاهبون إلى المواجهة المشتركة للبلدين مع الذين ما زالوا يعملون على منع التواصل بيننا، وأن الأمر مصيريّ لغرب آسيا بأكمله، لا للبلدين فقط، ولا يمكن لهذه المنطقة أن تتبلور بشكل جديد إلا بقرار أهلها مجتمعين.

والرسالة الثالثة التي أدّتها هذه العملية، هي في عجز الجيش الأميركي عن إسقاط أيّ من الطائرات الخمس، لتدلِّل على مستوى التقنيات العالية التي وصل إليها المحور باستخدامه لطائرات مسيّرة قليلة الكلفة وعالية الأداء.

والجانب الآخر من العجز كان بإخلاء الأميركيين وأدواتهم لأماكن إقامتهم وانتشارهم بعيداً عنها، ليقينهم بأن بيان الغرفة الذي صدر عن غرفة العمليات هو واجب التنفيذ، ما جعلهم في قلق عالي المستوى بانتظار الرد المؤكَّد.

أتى الردّ بعد يوم واحد من المجزرة التي تعرّض لها موظفون مدنيون، يعملون في مؤسسة الإسكان العسكري، بتفجير حافلتهم في مركز العاصمة دمشق، وبالرغم من أن أصابع الاتهام موجهة إلى أنقرة التي تمتلك جملة من الدوافع للقيام بهذا العمل، فإن القائد الحقيقي للحرب على سوريا والسوريين هو الولايات المتحدة.

من هنا تأتي أهمية الرسالة الرابعة لتقول لهم، إنهم هم من يقفون خلف كل العمليات المستمرة، بأمر أو غير ذلك، خاصةً أن تنظيم جبهة النصرة (فتح الشام بعد تغيير الاسم) التي تحظى بالرعاية والحماية الأميركيّتين، رغم وضعها في قائمة الإرهاب، ثم المحاولات لتعويمها كجهة سياسية، هي المتهمة بتنفيذ العملية، رداً على مصرع أربعة من قادتها في الغارة الجوية على سرمدا، التي تعتبر مركز النشاط الاقتصادي في إدلب.

لم يقتصر الرد على قاعدة التنف، بل امتد في اليوم التالي إلى اليمن، حيث أطبق أنصار الله على مأرب بإشارات واضحة على قرب تحريرها، إضافة إلى الهجوم الجوي الصاروخي المؤلم على مطار جيزان العسكري، ومصرع عدد من العسكريين السعوديين، بمن فيهم ضباط وطيارون لحوامات الأباتشي، إضافة إلى قصف مستودعات الذخيرة شمال الرياض.

اعتمدت غرفة العمليات المشتركة استراتيجية التوسع الدفاعي، التي تستند إلى عجز الولايات المتحدة عن تحقيق أهدافها التي وضعتها، والكلفة العالية البشرية والمالية لاستمرارها، بما أقدمت عليه من حروب، ما يدفعها إلى الانكفاء والتراجع والتسبّب في الفراغ الذي تملؤه قوى المحور، من هنا تأتي أهمية الهجوم على قاعدة التنف، ليؤكّد أننا أمام معادلات جديدة بالاتجاه نحو التوازن، برسم حدود لأيّ عمل عسكري أميركيّ إسرائيلي مباشر، وأن الرد يأتي من جنس الفعل وبمستواه، وعدم الاعتماد على الضغوط السياسية التي تمارسها موسكو لإيقاف هجمات الطائرات الإسرائيلية التي تقوم بها على المواقع والمنشآت العسكرية، والتي أثبتت فشلها في منع تل أبيب عن شنّ المزيد من الهجمات.

تسير المفاوضات بالنار، بالتوازي مع المفاوضات الاقتصادية والسياسية في غرب آسيا بأكملها، ولا يمكن الفصل بين كل الملفات المتشابكة في إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وبقية دول الخليج، والمنطقة دخلت في مرحلة برزخية بين عالمين مختلفين، تتطلب صبراً وحكمة وإرادة وقوة في إدارتها.

وينتظر السوريون، الأكثر تضرّراً من الحرب، تحوّلاً إيجابياً بتوقّف الحرب عليهم، والانتقال إلى مرحلة جديدة مختلفة عن كل العقود التي مرّوا بها، فهم يستحقون الأفضل بالإدارة والاقتصاد والاجتماع، ويحتاجون إلى استقرار إيجابيّ لإعادة بناء بلدهم الذي يتطلّب تضافر جهود كل السوريين المؤمنين بضرورة الوصول إلى نهضة سورية شاملة في إقليم متعاون غير متصارع.

الميادين