المهندس : ميشيل كلاغاصي 

كشفت السنوات الطويلة لوجود رجب طيب إردوغان في مواقع السلطة المختلفة , أنه الرجل النموذج للسلطان التائه وربما الطائش والمغامر الذي لطالما اعتمد على سياسة متهورة لم تستطع زرع بذور الثقة مع جميع الدول التي تعامل معها سواء على جبهات الخصام والعداء أو على مستوى الصداقة والتعاون طويل الأمد وصولاً إلى العلاقات الإستراتيجية , كما راهن على تعقل الخصوم وربما على دقة حسابات الاّخرين أكثر مما راهن على سياسة تركية متزنة مستقرة تجلب الإزدهار والإستقرار لبلاده وما حولها , وتستحق إحترام الاّخرين وتحوز على ثقتهم , فكانت سياسة الأرجحة والغدر والتراجع عن الإلتزامات لعبته المفضلة والتي دعاها سياسةً خارجية , وقد مارس من خلالها أسوأ الأدوار التي أوكلته بها تحالفاته الأطلسية والإسرائيلية والمافيوية الإرهابية.  

ولطالما كانت أعمدة سياساته الخشنة تعتمد على روايتين أساسيتين , الأولى تنطلق من رحم التاريخ البائد لأسلافه السلاطين , وفي صلبها الإعتماد على مزيج إيدولوجي جمع الرواية الدينية والعرقية والإثنية والثقافية واللغوية , وما إعتبره العنصر التركي عموماً على أنها حقوق وصكوك ملكية تتجاوز الحدود الحالية وتتحرك وفق حدود الإمبراطورية العثمانية , أما الثانية فتتمثل بروايات الأمن القومي التركي المضخمة والتي يستغلها لإرسال جنوده إلى أميال وأميال بحثاً عن تحالفات قديمة – جديدة , تؤمن له النفوذ اللازم لتحقيق الأهداف الخيالية بالنسبة لحجم تركيا ودورها في المنطقة والعالم . 

فكانت الخلافات والتوتر والتصعيد والتحركات العسكرية عناوين دائمة للسياسة التركية – الإردوغانية , والتي قادته يوماً إلى إعلان تصفير المشاكل , لكن سرعان ما عاد ليضع نفسه شريكاً للفوضى والإرهاب , وأداةً مناسبة في خدمة سوق النخاسة الأمريكي ,وشوكةً في خاصرة دول المحيط الجغرافي والحيوي للدولة التركية . 

لم يتوقف بحثه عن التحالفات الجديدة , في ظل إنكشاف حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تؤمن بالحلفاء أو الشركاء وتبحث عن الأدوات والعبيد فقط , بالتوازي مع فشل السياسة الأمريكية وانهيار مصداقيتها وتراجع دور الإتحاد الأوروبي وضعفه وتبعيته المطلقة للولايات المتحدة ، سارع الرئيس التركي إردوغان إلى البحث عن بناء تحالف عريض من القوات الموالية لتركيا في آسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وغيرها. 

لقد تطلب منه البحث عن تعزيز النفوذ التركي في آسيا الوسطى ، إحياءاً وترويجاً للمزيج الإيديولوجي العثماني – الإردوغاني , في إطار الحضارة التركية , مستهدفاً الأيديولوجية التي سادت دول اّسيا الوسطى لعقود وقرون , ولعبت فيها المواجهة بين الأديان وكافة الرموز والقيم الثقافية دوراً كبيراً في الصراعات والتحولات التي شهدتها تلك الدول , وفي هذا الإطار لم يوفر إردوغان تصريحاً وموقفاً إعلامياً يعزز ترويجه الإعلامي للمزيج الإيديولوجي , واقتبس بتاريخ 22/10/2021 في رسالته إلى الندوة التي ينظمها مركز الأبحاث الإجتماعية والإقتصادية في جامعة حجي بيرم ولي في إسطنبول , عن رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان مقولته الشهيرة : "مسلمون لا يهتمون بالسياسة ، سيُحكمون من قبل سياسيين لا يهتمون بالمسلمين".  

وعليه .. بدا واضحاً تركيز السياسة التركية ونشاطها لإخضاع دول العالم التركي والإمبراطورية العثمانية السابقة لسيطرتها من خلال "القوة الناعمة" ونوعية التعليم في الجامعات التركية في تركيا وخارجها , وإظهاره إهتماماً كبيراً بالذكرى الثلاثين لإستقلال ما سمي بـ دول العالم التركي والمجلس التركي : أوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وأذربيجان وحتى تركمانستان ، كذلك في رومانيا وهنغاريا , حيث تمت مناقشة الوضع في أفغانستان في إطار محاولات تركيا للعب دورٍ حاسم هناك , وقال وزير الخارجية التركي : "هناك ملايين من الأتراك يعيشون في أفغانستان التي تهمنا بشكل مباشر". كما أكد أن الإجتماع يشهد على تنامي سلطة المجلس التركي على الساحة الدولية , كذلك ومن خلال الإستراتيجية ذاتها , أكد قبل أيام وزير الدفاع التركي لـ موقع RT: "أن محافظة إدلب مهمة لنا".   

لا شك أن الوضع في أفغانستان يشكل عامل إهتمام عديد الدول وليس تركيا فقط , لكن الغموض يحيط بنوايا تركيا وعلاقتها بـ "المجلس التركي" , ومدى إهتمامها بالحصول من خلاله على احتياطيات المعادن النادرة في أفغانستان , كذلك الذهب والنحاس وخام الحديد وحتى النفط , ناهيك عن طموحات الرئيس التركي بتمديد نفوذه في البلقان , وأفريقيا ، والشرق الأوسط ، وما وراء القوقاز ، وآسيا الوسطى .. لذلك يعول على استغلال المجلس التركي ، لإعادة نموذج التوزان الذي كان سائداً أيام الإمبراطورية , عبر ترويج عمل المجلس التركي كمشروع ثقافي وتاريخي , وتحويله إلى "منظمة دولية" – بحسب الرئيس التركي , على غرار الإتحاد الأوروبي.