بقلم حسام زيدان
على وقع التهديد والوعيد التركي المتدحرج نحو مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، تبرز المدينة كمساحة جديدة في الاشتباك الاقليمي والدولي في الشمال السوري، بعناوين تحاول انقرة من خلالها التأثير على الميدان العسكري الذي ضيقه الجيش السوري على كل الدول الداعمة للمجموعات المسلحة.

من جديد دخل ريف حلب الشمالي دائرة التصعيد، فتحت الحسابات الميدانية امام علامات استفهام كبيرة بعد ان اعلنت انقرة ان قواتها تتموضع في مواجهة ريف حلب الشمالي، وما يزيد الاوضاع في تلك المنطقة سخونة، حيث تشير الوقائع ان المنطقة مقبلة على تسخين تحاول تركيا من خلاله اعادة رسم خرائط السيطرة، وفق مؤشرات سياسية تتحدث عن انتظار نتائج  لقاء الرئيس الامريكي جو بايدن مع نظيره التركي اردوغان نهاية الشهر الماضي، الا انه من المرجح ان العملية العسكرية التي تعتزم تركيا شنها على ريف حلب الشمالي، تأتي في ظل التحضيرات السورية لتنفيذ بنود اتفاق سوتشي، والسيطرة على الطريق الدولي الواصل بين ريف حلب واللاذقية، ضمن محاولة تركيا للتأثير على تلك العملية، او في ابعد تقدير تسعى للحصول على مكاسب على الارض، والسيطرة على منطقة تل رفعت، لتقديمها للجمهور السياسي التركي على انها انجاز جديد، الا ان الامر على ارض الواقع يبقى مرهون بحسابات سياسية معقدة، يتقاسمها الدور الروسي والامريكي في المنطقة.

ان الاعلان التركي الاخير عن اطلاق عملية عسكرية في المناطق الواقعة غرب الفرات، وتحديدا في منبج وتل رفعت بريف حلب الشمالي، جاء بعد لقاء الرئيسين التركي والروسي، والوصول الى قناعة، مفادها ضرورة تفيذ تركيا التزمها بما يخص اتقاق اذار 2020، والقاضي بانسحاب المجموعات المسلحة من محيط الطريق الدولي M4، ما يفسر الاصرار التركي على هذا التصعيد، الذي يندرج تحت اسباب عديدة منها محاولة اظهار الهروب من تصوير انسحابها والمجموعات المسلحة من محيط الطريق الدولي الواصل بين حلب واللاذية، على انه خسارة عسكرية، والتسويق الى ان السيطرة على منبج وتل رفعت هو انجاز عسكري، بالاضافة الى السعي لفرض المخطط التركي في الشمال، عبر تحقيق المنطقة العازلة التي يتحدث عنها الاتراك بعمق 30 كيلو متراً، ووصل المناطق التي يتواجد فيها التركي والمجموعات المسلحة في مناطق نبع السلام وغصن الزيتون، والتحضير لضم تلك المناطق الى الدولة التركية.

بالطبع هناك سيناريوهات عدة تدور في شمال البلاد، ابرزها ان القرار التركي بالاعتداء على الاراضي السورية من المرجح ان ينفذ خلال ايام، بالرغم من كل الجهد الدبلوامسي والسياسي الروسي لوقفها، فيما ترجح بعض الاوساط السياسية ان اردوغان يهدف من هذه الحشود والتهديدات زيادة الضغط على موسكو وواشنطن والحصول منها على تعهدات في مواجهة جماعة قسد، فيما يرى اخرون ان ما يجري هو تحريك تركي للاجواء الساكنة في محيط ريف حلب المالي، لايصال رسالة الى الروس والامريكيين ان اي اتفاق بينهما يخص سوريا لن يمر بدون تركيا.

تحتل منطقة تل رفعت موقعا جغرافيا استراتيجيا، فهي تقع على بعد 35 كم على الطريق الدولي الممتد من مدينة عنتاب الى مركز حلب، وموقعها الجغرافي يجعلها مركزاً لجميع القرى المحيطة بها وتضم الكثير من القرى. فيما لا تزال الدولة السورية تفدم فيها الخدمات للمواطنين، وتتواجد فيها مؤسسات الدولة الرسمية، من مدارس ومستوصف وخدمات هاتف وكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي وافران، توفر توطيد الاستقرار فيها، ويشكل الموقع الجغرافي للمدينة صلة وصل بين مناطق ادلب وعفرين وحتى الحدود التركية، و السيطرة عليها يزيد التأُير والضغط على مدينة حلب من الجهة الشمالية، بالاضافة الى الاقتراب اكثر من مدينتي نبل والزهراء، ما يضع مدينة حلب وريفها في خطر جديد.

ان المشهد المعقد في الشمال السوري يدلل على مدى الاشتباك السياسي الدولي هناك، تجعل المنطقة في خطوط تماس متحركة، يشكل الانتظار عامل التثبيت لها، وما يمكن تأكيده هو ان الجيش السوري ستكون له الكلمة الفصل في المعركة ان وقعت، والتي ستشكل منعطفا حقيقيا للتعاطي التركي مع الجغرافيا السورية.

العالم