دمشق- ريم ربيع

لا شك أن مصطلح عقلنة الدعم ووصوله إلى مستحقيه بات –وبخلاف غايته- عامل تهديد للقمة عيش معظم السوريين الذين كانوا يوماً ما يصنّفون كطبقة متوسطة معيشياً، فيما أوصلتهم سياسات تصويب الدعم في السنوات الأخيرة إلى حدود خط الفقر أو أدناه، إذ لم تفعل شيئاً سوى أن زادت طين الحصار والعقوبات بلّة، حيث علق أستاذ جامعي على الإجراءات الحكومية بقوله: “منذ أن وضعت الحكومة الدعم في رأسها وهي تخربه شيئاً فشيئاً، والواضح أنها تورطت في دوامة الأسعار، فأصبح محور عقلنة الدعم لديها هو رفع الأسعار فقط”!.

ورغم أن وصول الدعم إلى مستحقيه هو مطلب شعبي وأساسي في ظل الفوضى الحالية وازدهار السوق السوداء بالمواد المدعومة، غير أن نتائج الإجراءات الحكومية لم تؤثر حتى الآن سوى على الشريحة الأكثر احتياجاً، أما أبناء الطبقة “المرفهة” فما زالوا يحصلون على المواد المدعومة وبالسعر ذاته بل ويتهافتون عليها أكثر من غيرهم، وغالباً ما يكونون أكثر قدرة بالحصول عليها من البقية.

فقد الثقة

بالأمس؛ وفي اليوم ذاته اجتمعت صباحاً في مجلس الوزراء لجنة السياسات والبرامج الاقتصادية لتناقش الإجراءات المناسبة لتصويب آلية الدعم وإيصاله لمستحقيه، وبعدها بقليل تمّ رفع أسعار الكهرباء ثم مساءً رفع سعر الغاز المنزلي والصناعي، وفي هذا التناقض يزيد الشرخ بين الحكومة والمواطن الذي فقد الثقة بأيّ مما تقوله، فمنذ أشهر فقط صرح وزير المالية أن رفع سعر الكهرباء أمر مستحيل لدى الحكومة، وقبل ساعات فقط من رفع سعر الغاز، جزَم وزير التجارة الداخلية أنه لا يوجد دراسة للزيادة!!.

خارج المعادلة

البعض يتجه إلى أن رفع أسعار المواد المدعومة هو أمر حتميّ ولا بد منه في ظل ضعف الواردات للخزينة، إلا أن المشكلة الفعلية تكمن في الدخل وليس في السعر، إذ يبدو وكأن أصحاب الدخل المحدود خرجوا نهائياً من المعادلة! فحجة وصول الدعم لمستحقيه جعلت هذه الفئة غير قادرة على شراء احتياجاتها حتى ولو كانت مؤمنة!، وأصبح هذا المطلب “كابوساً” يؤرّق المواطن الذي يدفع ضريبة حصول الغنيّ على مخصصاته.

الحلقة الأضعف

يرى الخبير المالي وعضو مجلس الشعب زهير تيناوي أن المستهلك هو الحلقة الأضعف التي ستدفع فروقات الأسعار هذه، فكلما اجتمع على طاولة الحكومة الفريق المعنيّ بتصويب الدعم، تصدر قرارات مغايرة لهذا التوجّه، كرفع أسعار بعض المشتقات النفطية مثلاً، وهذا بالتأكيد ليس بمصلحة المواطن أو لكبح السوق السوداء كما يصرح البعض، بل على العكس؛ فعندما تمّ تسعير ليتر المازوت الصناعي بـ1700 ليرة، أصبح سعره في السوق السوداء 4000-5000 ليرة.

يبدو –والحديث لتيناوي- أن الحكومة بعيدة عن الواقع، فهي تعتب على القطاع الخاص لرفع الأسعار، فيما لا تكفّ عن زيادتها بين فترة وأخرى، مقابل ثبات في الرواتب والأجور، مضيفاً: “مهما كانت طريقة توزيع الدعم على المستحقين أعتقد بل وأجزم أنه لن يفي بالغرض”.

برنامج جديد

خلال شرحه للبيان المالي في مجلس الشعب أمس، وعد وزير المالية بدراسة لتعديل وتحسين أجور العاملين، وسيتمّ تغطيتها –برأي تيناوي- من الاحتياطي في المصرف المركزي لأنها لم تلحظ كاعتمادات في الموازنة التقديرية لعام 2022، كما أشار وزير المالية إلى أن هناك برنامجاً كاملاً لإعادة هيكلة الدعم سيتمّ الإعلان عنه مطلع عام 2022، ولكن لن يكون نقدياً كما لن يتمّ إلغاء الدعم عن الكهرباء والخبز والمواد التموينية والمحروقات، مضيفاً أنه يجري إعداد قاعدة بيانات مجتمعية ضمن معايير محدّدة، وسيتمّ الابتعاد عن الشرائح غير المستحقة للدعم وزيادة دعم الشريحة الأكثر هشاشة وتحسين الرواتب والأجور.

حلقات فساد

غير أن تيناوي يقترح أن يرفع الدعم عن المواد الأساسية ويتمّ توزيعه كمبالغ نقدية لمستحقيه فقط، وذلك بعد تثبيت الأسعار، وفي جوابه عن الفئات المستهدفة يشير تيناوي إلى أن غياب البيانات الإحصائية الدقيقة تجعل من تحديد هذه الفئات أمراً صعباً، داعياً إلى اتباع طريقة علمية وبيانات دقيقة لمعرفة المستهدفين بالدعم حتى لا ندخل بحلقات فساد جديدة.

وبعد أن وجهت الحكومة وزاراتها لإعداد الدراسات اللازمة لتصويب الدعم كلّ من جهته، يعتقد تيناوي اليوم أن كل الدراسات التي ستقدم من الوزارات المختلفة، سواء كانت خدمية أو اقتصادية، ستكون إلى حدّ كبير نظرية وبعيدة عن الواقع، مطالباً الحكومة بأن تكون أكثر عقلانية وقرباً من الشارع لمعرفة المحتاج للدعم من غيره.

البعث