الكاتب: نورالدين اسكندر


 
بيان غامض لوزارة التجارة الصينيّة يثير القلق حول العالم. دعوة المواطنين إلى تخزين المواد الأساسية، إلامَ يؤشر؟ وهل لها ارتباطات بالمواجهة مع الخارج؟

مع كثرة المعطيات المرتبطة بتركز الصراع شرقاً، أصبحت أخبار الصين مصدر اهتمامٍ كبير على المستوى العالمي. هذا الأمر ليس جديداً، فالدولة الصاعدة بسرعة نحو قمة العالم صنعت في العقود الأربعة الأخيرة من نفسها محوراً للحركة الاقتصادية الناشئة في العالم، ومركزاً رئيساً للبضائع والأعمال والابتكارات، بدءاً من القطاعات المرتبطة بالتجارة الخارجية (والتي تراكم فائضها ليغذي الاحتياطات السيادية الهائلة التي تمتلكها الصين)، وصولاً إلى الإنتاج الصناعي والابتكار التكنولوجي والتطور الخدماتي الذي دخلت فيه الصين العصر الجديد، وأدخلت معها العالم في مرحلة السلع المتطورة ذات الأسعار المنخفضة. 

لكن الجديد في السنوات الأخيرة هو تحول الصين إلى مركز لجذب التوترات والاهتمامات السلبية، إذ تتطلع القوى الغربية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة إليها على أنها الخطر الأكبر الذي تواجهه، وبالتالي تبني استراتيجياتها على هذا الأساس.

بذلك، تكتسب أخبار الصين اهتماماً إضافياً، وتتخذ معاني مختلفة، بمجرد أنها مرتبطة بهذه الدولة التي أثارت الجدل حول العالم بصعودها، وبمسارها، وباستمراريتها اليوم، وبالتكهنات حول مستقبلها، وخصوصاً في كل ما يتعلق بالسياسات العامة والقرارات التي تتخذها قيادتها.

أحد هذه القرارات أو التوجيهات كان دعوة الصين مواطنيها قبل أيام إلى تخزين الطعام والضروريات الأخرى بقدر معقول، الأمر الذي أحدث بلبلةً تجاوزت حدود البلاد إلى كل أرجاء العالم، مع تفاعلٍ كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين ربطوا بين هذا الخبر وظهور فيروس كورونا قبل سنتين، انطلاقاً من الصين نفسها، وبالتالي كانت أغلبية المغردين تفسّر دعوة وزارة الخارجية الصينية مواطنيها إلى تخزين المواد على أنها مؤشرٌ لظهور سلالة جديدة من الفيروس أو فيروس آخر.

حدود المسألة
الخبر كما هو كان صدور بيان عن وزارة التجارة الصينية، تقول فيه إنها "تشجع الأسر على تخزين كمية من السلع الضرورية، بحسب الحاجة لتلبية احتياجات الحياة اليومية وحالات الطوارئ".

الغموض الذي اكتنف البيان، وتواصل ليطال التعليقات عليه، أحدث المزيد من التفسيرات السلبية له، الأمر الذي أثار الريبة عند كل من تعاطى معه، فهل من الطبيعي والمنطقي أن تقدم حكومة من مستوى الحكومة الصينية على إطلاق توجيه عام لمواطنيها يكتنفه الالتباس أم في المسألة قصدٌ مستتر يستهدف آثاراً مرغوباً فيها من دون إعلانٍ عنها؟ وإذا كان الأمر صحيحاً، فما هي هذه المقاصد المطلوبة بهذه الصورة تحديداً؟

وإذا لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن صدور تصريح مثير للريبة ويتعاطى مع مليارات الناس، فيما كانت عبارة واحدة تكفي لتجنيب العالم مستوى القلق الذي أحدثه هذا البيان؟

لقد كان من الطبيعي أن يهرع الناس بعد هذا البيان لشراء المواد الضرورية من المتاجر، علماً أن السلطات المحلية تلقت توجيهات حكومية بالعمل على ضمان توافر السلع الضرورية اليومية، مثل الخضراوات واستقرار أسعارها، طوال فصلي الشتاء والربيع المقبلين، وكذلك تعزيز مراقبة الأسواق، وتتبع التوريد يومياً.

الصحف الصينية حاولت في وقتٍ لاحقٍ توضيح البيان الذي صدر عن وزارة التجارة، معتبرةً أن الغرض من هذا البيان كان التأكد من أن المواطنين لن يفاجأوا في حال حدوث إغلاق في منطقتهم إذا زاد معدل الإصابات بفيروس كورونا. وفي السياق نفسه، يعتبر هذا الإجراء روتينياً قبل حلول فصل الشتاء، في ظل عودة ظهور حالات كورونا جديدة في مقاطعات عديدة من البلاد، وخصوصاً أن الحكومة الصينية تعمل في ظل خطة "صفر كوفيد" التي تحاول من خلالها القضاء على تفشي الجائحة على أراضيها، بعد أن أدت انعكاساتها إلى أضرار كبيرة بالاقتصاد الصيني، كما باقتصادات العالم كافةً.

ورغم أنَّ من المفهوم أن يكون سبب الحدث اعتيادياً قبل فصل الشتاء، كأن تبذل الحكومة الصينية جهوداً إضافية لتعزيز إمدادات الخضراوات واللحوم قبل عطلة السنة القمرية، والتي ستكون هذا العام في شباط/فبراير 2022، تفرز الظروف المرتبطة بالمناخ تحدّيات إضافية على السلطات بهذا الصّدد، بعد أن أدى الطقس القاسي في أوائل تشرين الأول/أكتوبر إلى تدمير المحاصيل في بعض المقاطعات، إضافة إلى الخوف من تفشي حالات جديدة من كورونا، ما قد يهدد بتعطيل الإمدادات الغذائية.

سياسات صارمة تحت مظلّة "صفر كوفيد"
بعد انتشار الجائحة وتلقّي انتقادات واسعة حول العالم جراء استجابة الصين لها، واتهامها بانطلاق الفيروس من أراضيها ليفتك بمئات الآلاف حول العالم، تتشدد الصين اليوم بصورةٍ صارمة بالتعامل مع المسألة، وهي تعتبر أن طلبها من مواطنيها تخزين المواد الغذائية، ليس مدعاةً للقلق، لكن صحيفة الحزب الشيوعي الصيني اعترفت بأن الإمدادات تعاني من الضغوط التي تهدد بنفادها.

وفي إطار مواجهة كورونا ومحاولة القضاء على تفشّيه نهائياً في البلاد، شدّدت الصين القيود على بعض المناطق بدرجةٍ كبيرة، في اتّباع مستمرّ لسياسة "الإغلاق الهادف" التي تسعى من خلالها الحكومة إلى تحقيق هدف "صفر كوفيد".

لكن بيان وزارة التجارة كان يمكن أن يذكر ذلك كسبب لدعوة المواطنين إلى تخزين المواد الأساسية، وخصوصاً أن حالات الإصابة الجديدة التي تعلن عنها السلطات لا تتجاوز العشرات، الأمر الذي كان سيكون وقعه أقل إثر صدور الدعوة الغامضة لتخزين المواد بما لا يقاس.

ورغم أن الوزارة حثت السلطات المسؤولة عن مناطق الحظر على نشر المعلومات بسرعة حول مكان وكيفية حصول الناس على الضروريات، فإنَّ ذلك لم يحدث الأثر المطلوب، ولم يجنب أحداً الفوضى التي أحدثها البيان، ما يؤشر إلى خلل إداريٍ واضح في التعاطي مع هذه المسألة، وهو ما لا يمكن قبوله من إدارة مركزية في أهم وزارة تجارة في العالم، فإذا كانت "الدفاع" عنوان القوة الأميركية، و"الخارجية" النفوذ الروسي، فإن "التجارة" هي العنوان الأبرز للحضور الصيني في العالم.

الحدث في سياق إجراءات أخرى
لم يكن بيان وزارة التجارة الإجراء الوحيد لمحاولة حصار انتشار كورونا مجدداً في الصين، على الرغم من أنه أحدث هذه العاصفة العالمية من الجدل، فالسلطات الصينية طبقت خلال الأيام الأخيرة حظراً على 6 ملايين مواطن في ميدنة لانتشو إلى الغرب من بكين، وألغت نصف الرحلات المتوجهة من العاصمة وإليها، وتم تعليق الدراسة في الكثير من المدارس الواقعة في المناطق التي تشهد تفشياً جديداً للجائحة في الأسابيع الأخيرة.

وفي الواقع، فإنّ الأزمة المرتبطة بفيروس كورونا لا تزال مستمرةً في ضغطها على الأسواق الصينية ومؤشراتها، وقد تفرعت منها ضغوطات جديدة ترتبط بصورةٍ مستمرة بالأخبار المتعلقة بجهود مكافحة الجائحة، تماماً كصدور البيان عن وزارة التجارة، الذي تدعو فيه المواطنين إلى تخزين المواد الأساسية بصورةٍ غير واضحة.

لقد تراجعت مؤشرات الاقتصاد الصيني جراء هذا الإجراء غير الدقيق، الأمر الذي يضاف إلى تراجعات أكثر خطورة وشمولاً، مثل تباطؤ نسبة النمو السنوية في الاقتصاد الصيني بحوالى 25.6% في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وارتفاع التضخم إلى أعلى وتيرة له منذ ربع قرن، وتزايد الضغوط الاقتصادية التي تفرزها العقوبات الغربية على الاقتصاد الصيني والشركات الصينية، وتوسع النقاش السياسي المتعلق بضرورة مواجهة الصعود الصيني من قبل القوى الغربية، فهل هناك أسباب أخرى يمكن أن تهدد سلاسل التوريد للحاجات الأساسية في الصين؟ وبالتالي، فإنها ترتبط ببيان وزارة التجارة؟

وهج الأزمات المحيطة
ليس واضحاً بعد ما إذا كان للبيان أسباب أخرى خفية أو ما إذا كان الغموض الذي اكتنفه مقصوداً، أو يتضمن رسائل إلى المحيط القريب أو إلى الخارج، لكن المؤكد في الأمر هو أنَّ بكين تستشعر بصورة لا لبس فيها حرارة المحيط الذي تقع فيه.

هذا المنسوب من الحرارة يتزايد مع الوقت، بصورةٍ متلازمة مع زيادة اهتمام القوى الكبرى بها، وبمشكلاتها، وبالأزمات المتولدة في الجوار، في بحر الصين الجنوبي، وفي علاقتها مع تايوان، وفي بورما، ومع الإيغور، وفي ما يتعلق بالتحالفات الأمنية التي تتربص بها شراً أو احتواءً، كتحالف "أوكوس" الجديد...

قبل البيان بأيام قليلة، حذّرت الصين واشنطن ودعتها إلى التصرف بحذر بشأن تايوان، بعدما صرّح الرئيس الأميركي جو بايدن بأنَّ الولايات المتحدة ستدافع عن الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي من أيِّ هجمات محتملة من بكين. وجاء التحذير الصيني عبر الناطق باسم وزارة الخارجية وانغ وينبين، الذي شدد على أنَّ بلاده "لن تفسح المجال لأي مساومة بشأن القضايا التي تتعلق بمصالحها الجوهرية". 

الرئيس الأميركي يعتبر أنَّ لدى بلاده التزاماً حيال تايوان، لكن هذا الالتزام ليس موضع تقدير في بكين التي تعتبره تدخلاً في شأنها الداخلي، الأمر الذي يفاقم من احتمالات نشوب نزاع بين القوتين العظميين، وخصوصاً أن قضية تايوان هي الوحيدة من بين القضايا الخلافية المشار إليها أعلاه، والتي تصرح فيها الدولتان عن التزامها واستعدادها بمواجهة عسكرية إذا لزم الأمر. 

بالنسبة إلى الصّين، يتبدى الالتزام باستخدام القوة العسكرية في تايوان من مبدأ اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأرض الصينية، بينما من الجانب الأميركي فإن الالتزام بالدفاع العسكري عن تايوان يندرج ضمن السياسة الخارجية، حيث لا تزال واشنطن أقوى حلفاء تايوان ومصدر الأسلحة الأساس لها، بفعل قانون صادر عن الكونغرس يلزم الإدارة ببيع الجزيرة أسلحة لتمكينها من الدفاع عن نفسها، إضافةً إلى تأكيد رئاسي لإمكانية استخدام القوة العسكرية في حال شنت بكين هجوماً عسكرياً على تايوان، الأمر الذي أكّده بايدن في تصريحه أثناء جولته في بالتيمور أخيراً.

إنَّ لِوهج هذه الحرارة المرتفعة باطّراد في المحيط أثره في الداخل، وانعكاساته في قرارات الإدارة الصينية، وفي أسلوب إرسال الرسائل إلى القوى المعنية في الخارج، لكن لا إشارات منطقية على رابطة متينة بين بيان وزارة التجارة وهذه الأجواء المشحونة في جوار الصين، باستثناء التشابه بين الإجراء (الدعوة إلى تخزين المواد الأساسية) في حالتي الجائحة والحرب، فلو كانت الصين مقبلة على مواجهةٍ عسكرية، أو على التعرض لهجومٍ خارجي، أو مقبلة على إطلاق عملية عسكرية في إحدى مساحات التوتر المذكورة، لكان الطلب من المواطنين تخزين المواد منطقياً، تماماً كما هو في حالة الحرب مع فيروس "كوفيد 19".

لكن منهجية التحليل التي تعتمد على دلائل أكثر تعدداً وأشد متانةً لا يمكن أن تتوسع في تفسير بيانٍ مبهم على أنه إشارة إلى نشاط حربي مقبل، الأمر الذي يترك بيان وزارة التجارة في خانة الغرابة، وخصوصاً عند قياسه إلى الجهة الصادر عنها، وافتراض مستوى الدقة المتناسبة مع أهمية هذه الجهة.

المصدر: الميادين نت