أحمد حسن

تتكاثر إرهاصات “الواقع الجديد” ودلالاته في المنطقة من كل الجهات المعنية به. بعض هذه الإرهاصات سلبي، وبعضها الآخر إيجابي، لكنها في الحالتين تعبير بيّن عن اقترابه من جهة أولى، وتأكيد قاطع، من جهة ثانية، على أنه لا زال بحاجة إلى بعض الوقت، لكنه وقت حافل بالزلازل سواء السياسية منها، وهذا أمر لا ضير منه، أو الأمنية و”الفتنوية” وهذا أمر يجب الانتباه منه جيداً.

والحال فإن إرهاصات “هذا القادم” عديدة ومتشابكة ومتضاربة لكنه تضارب ظاهري فقط. مثلاً، ما يحدث على خط الرياض – بيروت على سلبيته الفاقعة والمحزنة والمخزية معاً، هو في ذات السويّة الدلاليّة لما تحمله الرياح “الدافئة” – وإن كان لـ”دفئها” مآرب أخرى – القادمة من الشمال الشرقي لسورية، وعلى ذات السويّة الدلاليّة أيضاً للتطورات الإيجابية لبعض خطوات عودة العرب إلى دمشق، وأيضاً، على ذات السوية الدلالية – رغم سلبيتها الفاقعة – لمحاولة اغتيال رئيس وزراء العراق.

ذلك كله، على تضاربه، يمكن قراءته كملخص لتفاعلات قوى المنطقة، وحكامها، في ظل الانسحاب – ولو غير الكامل بالتأكيد – لواشنطن من المنطقة.

هنا، أيضاً، يمكن إدراج فحوى، وتوقيت، الاتصال الأخير بين الرئيس الأسد والرئيس الصيني – وإن كان حافلاً بدلالات أخرى خاصة به – باعتباره قمة التعبير في هذه المرحلة عما سبق: تأكيد وتثبيت الانتصار للقادم وتوطيد دعائمه وأركانه.

وبالطبع فإن “القادم”، بطبيعته، مخيف للبعض بقدر ما هو مصدر أمل للبعض الآخر، بهذا الإطار يمكن لنا فهم مسألة التزامن والتلازم بين مسار التهدئة ومسار التصعيد في المنطقة، هنا فقط نفهم ظهور اللهجة “الوطنية” في خطاب بعض قادة ميليشيات شرق الفرات، كأن يقول أحدهم مثلاً: “إن الخيرات والثروات الموجودة في شمال شرقي سورية ثروات وطنية لجميع السوريين”!!.. هذا، بحق، خطاب جديد يتناقض مع سابقة منح هذه الثروات للأمريكي والمتاجرة بها حتى مع .. “العدو” التركي، مقابل منعها بالكامل عن “مواطنيه” السوريين في عز حاجتهم لها في ظل حصار خارجي ظالم ساهم صاحب هذا الخطاب وفريقه فيه. لكن، ولأنه خطاب نابع من الخوف (الخوف من الانسحاب الأمريكي، والخوف من الغزو التركي) فلا يمكن التعويل على “دفئه” خاصة مع سوابق لـ “قول” مثيل وفعل معاكس حين طمأنهم الأمريكي على بقائه، لكنه في دلالته النهائية تعبير عن قادم مختلف ومحاولة لملاقاته لكنها تحتاج للكثير من “الفعل” حتى تكتمل ويمكن الوثوق بها.

بتوسيع إطار الرؤية أكثر يبدو تصعيد الأزمة على خط الرياض – بيروت تأكيد إضافي على ذلك، فهو، في جوهره، تعبير عن ضيق “المملكة” وخشيتها من، وعلى، موقعها في الترتيبات القادمة، خاصة وهي تعاني من تبعات قضايا أخرى، منها مثلاً معركة اليمن التي تبدو بلا أفق انتصاري، ومنها قضية “الكرسي” الداخلية، ومنها الفشل، كما يبدو، في الاستحصال على تطمينات ما في الحوار الأخير مع ايران، وتبعات ذلك كله على مكانتها في زعامة العالم الإسلامي، وأبعد من ذلك خشيتها على أمنها، وسلامها، الداخلي في ظل الفراغ الاستراتيجي المحتمل جداً هذه الأيام.

هكذا، وهنا تحديداً، نفهم مثلاً استخدام الإعلام السعودي لتعابير ومصطلحات حادة، ومشينة، تجاه لبنان والقيادات السياسية فيه، فهي أبعد من تعبير عن شعور بالمرارة من تصرف بعض قوى “المحميّة”، إنها، في حقيقتها، تعبير عن اللحظة الاستراتيجية المتغيرة وبالتالي إعلان بصوت عال و”بذيء”: نحن هنا ويجب أخذ مخاوفنا بعين الاعتبار، هنا أيضاً، وللأسف، نفهم صمت القيادات اللبنانية عن الإهانات اليومية باعتباره مثالاً عن عدم فهمهم للحظة المتغيرة واكتفائهم –لقناعة مالية ذيلية- بدور التابع و”المحميّة”، (تخيلوا ماذا كان سيفعل أدعياء السيادة والاستقلال لو أن الإعلام السوري هو من يصفهم بهذه الصفات؟!!).

بالمحصلة، هناك واقع جديد قادم، وقد عبر، رغم العوائق، محطات عدّة سابقاً بنجاح، لكن هناك محطة هامة قادمة: محادثات “فيينّا”..معها وقبلها وبعدها ستحدث زلازل بعضها سياسي وبعضها أمني وفتنوي ..لذلك وجب الحذر.

البعث