علاء حلبي

دمشق | بينما كانت روسيا تعمل على إعادة ترتيب أوراق الشمال والشمال الشرقي من سوريا، تمهيداً لإجراء تغييرات في خريطة السيطرة، وحلحلة بعض الملفات المعقّدة، بدءاً من طريق حلب – اللاذقية، وصولاً إلى ملفّ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، أطلّت الولايات المتحدة الأميركية برأسها مرّة أخرى في منطقة شديدة التعقيد، الأمر الذي عرقل، بشكل مؤقّت، التفاهمات التي كانت تسعى إليها موسكو، وجمّد الوضع الميداني المحتدم، في انتظار سلسلة اجتماعات أخرى، أضيفت على أجنداتها قضية المساعدات الإنسانية، التي تُمثّل بدورها عقدة سياسية إضافية بين أطراف الصراع

رياض درار: لا شروط مسبقة للحوار مع دمشق والمسألة النفطية على الطاولة محمود عبد اللطيف

لم يصل الوفد الكردي الذي تقوده إلهام أحمد، من «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، الذراع السياسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، إلى موسكو في الموعد المحدّد يوم الثلاثاء الماضي، وسط تضارب في خلفيات تأجيل الزيارة؛ ففي وقت تحدّثت فيه بعض المصادر عن أسباب تتعلّق بـ«جدول الأعمال الروسي»، أشارت مصادر أخرى إلى عرقلة أميركية دفعت إلى التأجيل، بالتزامن مع تحرّكات عسكرية أميركية في مناطق الشمال الشرقي من سوريا. ويستهدف اللقاء الكردي – الروسي المؤجّل إيجاد آلية تُجنّب المنطقة معارك جديدة، وسط تهديدات واستعدادات تركية لشنّ عملية عسكرية على مواقع تسيطر عليها «قسد» قرب الشريط الحدودي مع تركيا، بدءاً من تل رفعت ومنبج (غرب الفرات)، ووصولاً إلى عين عيسى وتل تمر (غرب الفرات) على طول طريق «M4» الدولي. كذلك، تنتظر موسكو أن تفضي هذه التفاهمات إلى حلحلة عقدة الطريق نفسه (M4) الذي يصل حلب باللاذقية، والذي تسيطر «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) وفصائل متشدّدة أخرى على جيب صغير فيه في منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب وتتحكّم به تركيا. وبعدما كان من المفترض أن يتمّ فتح «M4» قبل أكثر من ثلاثة أعوام، بحسب ما تعهّدت به أنقرة خلال توقيعها اتفاقية سوتشي مع روسيا عام 2018، عادت تركيا لتماطل في الوفاء بتعهّداتها، قبل أن تربط بين هذا الملفّ وملفّ الأكراد في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، بحثاً عن صفقة تمكّنها من الاستحواذ على مناطق تسيطر عليها «قسد» مقابل فتح الطريق، وهو ما رفضته موسكو، التي اقترحت بدورها مخرجاً لهذه القضية، يتمثّل في انسحاب الأكراد من تلك المناطق وتسليمها للحكومة السورية، ما يعني ابتعاد «الخطر الكردي» عن الحدود التركية، ويفضي بالتالي إلى حلّ مشكلة «M4» من جهة، واستعادة دمشق مناطق جديدة من جهة أخرى.
وأمام المساعي الروسية، التي اقترنت باستعراض عسكري في مناطق شرقي الفرات استهدف تأكيد الحضور الروسي القوي في تلك المنطقة، مقابل الانكفاء الأميركي، وجد الأكراد أنفسهم أمام خيارَين: إمّا المضيّ في المسار السياسي الروسي والتوصّل إلى اتفاقات تُجنّبهم المعارك العسكرية التي سيكونون فيها الطرف الأضعف، أو التعنّت الذي سيضعهم بين نارَي خسارة مناطق جديدة لمصلحة تركيا (بعد المناطق التي خسروها طيلة السنوات الأربع الماضية، ومن بينها عفرين)، وبين إصرار دمشق على فرض سيطرتها على مناطق «قسد» حتى إن تطلّب الأمر استعمال القوة. وعلى ضوء التطوّرات المشار إليها، طفا على السطح انقسام داخلي في «قسد»، بين التيّار الذي يميل إلى التوصّل لاتفاقات مع موسكو ودمشق، والتيّار الأميركي الذي يسعى إلى إنشاء كيان كردي مستقلّ أو شبه مستقلّ في سوريا، الأمر الذي ظهر بوضوح في تضارب تصريحات مسؤولي «الإدارة الذاتية». وعلى رغم هذا التضارب، حاولت أطراف في «قسد» الدفع نحو اتفاق شامل مع دمشق، يزيح الخطر التركي من جهة، ويفضي إلى إنشاء ما يشبه «فيدرالية كردية»، بعد ضمّ قوات «قسد» إلى الجيش السوري بشكل يضمن استمرار هيكليّتها، وهو ما رفضته دمشق وموسكو، الأمر الذي دفع بالأخيرة إلى اقتراح مخرج آنيّ، متمثّل في تقسيم الملفّ الكردي إلى مراحل، بحيث تتمّ في كلّ مرحلة معالجة ملفّات مناطق معينة بشكل نهائي، ومن ثمّ الانتقال إلى مناطق أخرى. لكن هذه المرّة أيضاً، برزت مراوغة كردية جديدة، أعادت إلى الأذهان سيناريو منبج وتل رفعت، حيث رفضت «قسد» تسليمهما للحكومة السورية بموجب اتفاق مع روسيا، بعد أن ضمنت تمركز الجيش السوري في محيطهما، ضمن منطقة تماس تفصل مواقع سيطرة تركيا عن مواقع سيطرة «الإدارة الذاتية»، الأمر الذي أتاح للأخيرة الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية على المناطق المذكورة، مقابل سيطرة شكلية لدمشق تقي الأكراد المخاطر التركية، وهو أيضاً ما رفض السوريون والروس تكراره.
ومع استمرار الضغوط الروسية من جهة، والتهديدات التركية من جهة أخرى، وأمام حالة الصمت الأميركية، بدأ موقف «قسد» يتغيّر، بما هيّأ الأرضية لإتمام اتفاقية تفضي إلى استعادة دمشق السيطرة على المناطق التي تستهدفها أنقرة بشكل فعلي، كخطوة أولى، تتبعها خطوات مدروسة أخرى لحلحلة الملف الكردي، بالتوازي مع انسحاب تركي من مناطق في ريف إدلب وفتح طريق حلب - دمشق، في ما يشبه «تأثير الدومينو»، لكن الولايات المتحدة عادت لتطلّ برأسها وتهدّد بعرقلة تلك المساعي. وعلى الرغم من تمركز القوات الأميركية في تل بيدر التي لا تبعد أكثر من 20 كيلومتراً عن تل تمر، سيّرت واشنطن دورية عسكرية نحو البلدة الأخيرة، التي كانت قد انسحبت منها قبل نحو عامين، لتتحوّل إلى منطقة نفوذ روسي، بينما جرى الحديث عن إمكانية إقامة قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة مرّة أخرى. وأعادت التحرّكات الأميركية، بالإضافة إلى الرسائل التي وجّهتها الولايات المتحدة إلى تركيا بأن هذه المنطقة لا تزال جزءاً من مساحة النفوذ الأميركي، وأنه لا يمكن أن تقتصر تفاهمات أنقرة مع موسكو فقط، الانقسام في البيت الكردي إلى أشدّه، حيث استثمرت القوى التي تميل إلى واشنطن التصعيد الأميركي في تقوية موقفها، لتخلط الأوراق من جديد، الأمر الذي أثار حنق روسيا، ودفع وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، إلى توجيه رسالة علنية إلى الأكراد تُحذّرهم من الانقياد خلف المساعي الأميركية، والتي اعتبرها لافروف «داعمة للميول الانفصالية في شمال شرقي سوريا»، منبّهاً إلى أنها «ستسفر عن تفاقم المشكلة الكردية»، ومطمئناً في المقابل إلى «(أننا) على استعداد للمساعدة في ضمان مصالح الأكرد المشروعة».
في غضون ذلك، بدأ الحديث مرّة أخرى عن ملفّ المساعدات الإنسانية، وطرق تمريرها إلى الشمال السوري، وهو ملفّ تحاول موسكو إغلاقه من خلال إنهاء عمليات نقل المساعدات عبر الحدود (تركيا)، وحصره بدمشق، لإبطال الذريعة التركية في هذا الملفّ ومنع استثماره من قِبَل أنقرة، وإعادة الطرق الدبلوماسية الدولية إلى سوريا بدلاً من تركيا، واستثمار خطوط إيصال المساعدات في إعادة فتح المناطق السورية، بعضها على بعض، وتحويل تلك الممرّات الإنسانية إلى مدخل لإعادة المناطق المذكورة إلى سيطرة الدولة السورية. وسيكون ملفّ المساعدات حاضراً، إلى جانب ملفّ «قسد» وملفّات أخرى، في اجتماع بين مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي بريت ماكغورك، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين، والمبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرنتييف، في جنيف الأسبوع المقبل. وإلى جانب ذلك الاجتماع، واجتماع لافروف بوفد «قسد» المتوقّع انعقاده الأسبوع المقبل أيضاً، تستضيف العاصمة الكازاخية نور سلطان لقاءً بين الدول الضامنة لمسار أستانا (روسيا وتركيا وإيران)، منتصف الشهر المقبل، من المنتظر أن يساهم في حلحلة الأوضاع الميدانية المعقّدة، ويدفع نحو إيجاد حلول سياسية لها.

الاخبار اللبنانية