ديمة ناصيف 
 
سيرة غفاري التي يتطلع كثيرون إلى توثيقها تعدّ جزءاً لا يتجزأ من السردية العسكرية للحرب السورية.

لم تكن حلب نقطة انطلاق مشوار جواد غفاري العسكري في سوريا، لكنّها علامته الفارقة بين الكثير من المعارك التي خاضها وقاد قسماً كبيراً منها على امتداد خريطة سوريا العسكرية.

كان غفاري قائد القوات الإيرانية في سوريا في السنوات الأخيرة، وقائد فتح الطريق إلى حلب المحاصرة في العام 2013 وتأمين الإمداد اللوجستي، وأحد أبرز القيادات القليلة التي أمنت منطقة السيدة زينب في ريف دمشق.

وبين التأمين وفتح الطرقات وفك الحصارات، برز اسمه كأحد أبرز المستشارين العسكريين الإيرانيين الذين كانوا رفاق السلاح مع الجيش السوري والقوات الحليفة في الحرب.

كانت أياماً شديدة الصعوبة عندما صمد مع مقاتلين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد. كانوا محاصرين عند المحور الشمالي لمدينة حلب، واستمر قتالهم أياماً، إلى أن وصلت التعزيزات التي ما كانت لتمنع سقوط حلب بيد الجماعات المسلحة لولا صمود غفاري ومجموعته الصغيرة.

منذ وصوله إلى المدينة، نظر إليها بعين الاهتمام العسكري الشديد، فاستغل الموارد المتوفرة لإعادة بناء قدرات كان لها في ما بعد دور أساسي جداً في تحريرها في نهاية العام 2016.

يروي المقرّبون من غفاري أنه أسّس مجموعات قوامها مقاتلون من أبناء الأحياء الشرقية لحلب. وقد أمّن عوائل المقاتلين، ولا سيما المهجرين منهم، بالتوازي مع تعزيز تدريب المقاتلين ورفع جاهزيتهم.

كان معروفاً بأنه من أكثر الذين يثق بهم قائد "قوة القدس" في حرس الثورة الإيرانية الشهيد قاسم سليماني. عرف غفاري المدينة كأنه عاش فيها لسنوات، ولم يتردد في السعي لتأمين نقاط أساسية فيها، لا تبدأ بمطارها الدولي حيث عزّز حاميته، ولا تنتهي بمعامل الدفاع ومركز البحوث العلمية.

يوماً بعد آخر، ومع كل طريق تُفتح، من أثريا إلى خناصر فالراموسة وقلب غرب حلب، كانت المدينة تقترب من تحريرها التام. وهنا أيضاً، برز اسم جواد غفاري الذي أوجع المجموعات المسلحة في أحياء المدينة الشرقية بحصارها وإرغامها على الانسحاب مستسلمة، بعد اتفاق روسي تركي لم يبدِ الجنرال الإيراني آنذاك رضاه على تفاصيله. 

عرفت الأرياف ضجيج معاركه، كما المدينة، وهو ما برز في معارك السيطرة على ريف حلب الجنوبي التي امتدت لأشهر، وعلى مراحل، كسر فيها غفاري وحلفاؤه شوكة "جيش الفتح" في العام 2015 في ريف حلب الجنوبي، قبل كسرها في المدينة مع نهاية العام 2016، حين تحررت حلب. 

انطلق غفاري منها نحو إنجازات عسكرية أخرى في محيطها، وفتح بعد أشهر الطريق إلى نبّل والزهراء المحاصرتين، ثم كرّت سبحة اقتلاع "داعش"، من البادية السورية في تدمر والسخنة، وصولاً إلى البوكمال والقائم ومعارك دير الزور. 

قاد جواد غفاري القوات الحليفة للجيش السوري في معظم معارك البادية. وفي تلك الجغرافيا القاسية الجافة، كان لحضوره وقعه الكبير في قلوب أهل العشائر، إذ نسج معهم علاقات ثقة وثيقة ما زالت تشتد حتى اليوم.

يصعب حصر العمليات التي قادها غفاري خلال الحرب السورية في نصٍّ واحد، وكذلك كان يصعب احتواؤه، إذ يُنقل عنه الإصرار على التعامل بنديّة مع الجانب الروسي، بما لم ينفِ حرصه على التنسيق بين مختلف الأطراف الحليفة. 

في الخلاصة، سيرة غفاري التي يتطلع كثيرون إلى توثيقها تعدّ جزءاً لا يتجزأ من السردية العسكرية للحرب السورية؛ حرب لا يختلف الخصوم والحلفاء على أنها غيرت وجه الإقليم نحو تكتلات ومسارات ما زالت تتبلور حتى اليوم، وما كان ذلك ليحدث لولا عدة تجارب، أبرزها تجربة غفاري، التي برز جزء منها مع إنهائه مهامه عائداً إلى إيران، بعد تكريمه في وزارة الدفاع السورية، ليتابع جهوده في معركة إقليمية مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي فشل في قتله، رغم استهدافه أكثر من مرة في سوريا، لعلمه بدوره الجوهري، ليس عسكرياً فقط، بل يكفي القول هنا إن الجنرال الستيني كان من أبرز الذين عملوا لإتمام اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين دمشق وطهران، وتلك قصة أخرى كتبها ورفاق سلاحه في الإقليم المقاتل، ستؤرق الاحتلال لسنوات مقبلة.

المصدر: الميادين