ليس من المأمول أبداً أن يغيّر الغرب توجهاته وأساليبه لأنها الأسس التي بُني عليها، ولن يكون موجوداً من دونها، ولكنّ المأمول هو تعزيز هذا التوجه لدى الشعوب المستضعفة وتراكم ثقتها بنفسها يوماً بعد يوم.

كسرت الانتخابات التي جرت في نيكاراغوا في الـ 5 من تشرين الثاني 2021 كل المعايير والمقاييس والمحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة الأميركية كي تأتي بمن تريد، كنتيجة لهذه الانتخابات في هذا البلد الصغير في حجمه والكبير في ريادته ورمزيته، على مستوى أميركا الجنوبية والعالم. فقد فاز الرئيس دانيال أورتيغا، زعيم الساندنيستا، بولايته الرابعة، بمشاركة 4.4 ملايين مواطن، بعد أن صوّت 74.99% من الناخبين لمصلحة التحالف الذي يتزعمه حزب الجبهة الساندينية للتحرير الوطني.

وتصبح أهمية هذا الفوز مضاعفة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة قد بثّت قبيل الانتخابات وخلالها ملايين الاخبار الغير صحيحة لبلد عدد سكانه 6 ملايبن نسمة؛ أي إنها أغرقت البلاد بالأخبار والدعايات التي لجأت إليها لمنع الرئيس أورتيغا وجبهته الوطنية من تسلّم مقاليد الحكم في البلاد للمرة الرابعة.

إن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أن الاستخبارات الأميركية لا تؤمن بالديمقراطية، وتستخدمها كأداة فقط للسيطرة على العالم، ويدلّ أيضاً على أن الإجراءات الديمقراطية ليست حكراً على الولايات المتحدة والغرب، وأن مبدأ الديمقراطية في الحكم مرشح لأن يأتي بقيادات وطنية لا تنصاع للإرادة الغربية ولا تقبل أن تكون إلا تعبيراً عن إرادة الناخبين الوطنيين، لأن المشكلة، أو جزءاً منها على الأقل، إلى حدّ اليوم، يكمن في اعتبار الغرب أن المسار الديمقراطي حكرٌ عليه، وأن كل من يتفق معه أو يتبع له هو ديمقراطي، وكل من يخالفه الرأي لا يمكن أن يكون ديمقراطياً؛ أي إن الغرب يؤمن بأن لديه براءة اختراع للنظم الديمقراطية، وهو يمتلك الحق الحصري لهذه البراءة، ويمنحها أو يبيعها لمن يشاء، ويحجبها عمّن يشاء. أما النظم الديمقراطية الأخرى التي تمثل حضارة وثقافة مختلفتين، وصوت ناخبيها، ولا تنضوي إلى المظلة الغربية، بل تعبّر عن آراء مستقلة تماماً في الحكم والسياسة، فلا يتم الاعتراف بها كأعضاء في النادي الديمقراطي الذي سيجتمع في النصف الأول من الشهر المقبل ليرسّخ فكرة احتكاره لهذه النظم الديمقراطية، وعدم اعترافه بأي ديمقراطية أخرى ذات منشأ ورأي مستقلين.

ولكن الواقع العملي في أميركا اللاتينية، وآسيا وأفريقيا أيضاً، يشير إلى انكشاف حقيقة الأمور لدى الكثير من دول العالم اليوم، رغم المحاولات الغربية لإبقاء الغطاء محكماً حيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ فرغم كل محاولاتهم الاحتفاظ بأميركا الجنوبية حديقة خلفية للولايات المتحدة؛ أي في الواقع الفعلي مستعمرات تدار من الاستخبارات الأميركية عبر سفاراتها، ورغم المعايير غير المنطقية التي وضعوها للحكم الديمقراطي هناك، والمكائد التي تم تدبيرها ضد القادة الوطنيين في بلدانهم، لأمثال لولا دي سيلفا في البرازيل وقبله تنظيم الانقلاب العسكري على حكومة الرئيس إليندي في تشيلي، فقد قطعت دول عديدة في هذه القارة المهمة أشواطاً في إرساء أسس الديمقراطية الوطنية المنبثقة من مصالح الشعب، والعاملة على تحقيق رؤيته وأهدافه؛ فرغم كل المحاولات المستميتة والفجّة، لم تستطع الولايات المتحدة أن تغيّر مسار هوغو شافيز ومادورو في فنزويلا، اللذين آمنا باستقلال أميركا اللاتينية وكرامتها.

وبعد عملية انقلاب مخزية في بوليفيا، عاد حزب الرئيس إيفو موراليس إلى الحكم بانتخاب شعبي ديمقراطي، وكذلك تخطو البيرو وتشيلي، وحتى المكسيك، خطوات جادة ومدروسة نحو أنظمة حكم ديمقراطية وطنية ذات رأي مستقل وغير تابعة للسيد الأميركي. وأهمية نيكاراغوا هي أنها كانت دولة رائدة في هذا المجال، رغم كل الحصار والضغوط التي مورست على شعبها الصابر والمناضل، وتظل كوبا هي منارة الحرية لشعوب أميركا اللاتينية، وبصمودها تدعم الحركات التحررية لشعوب المنطقة.

وربما من المفارقة بمكان أن نشهد نتائج الانتخابات في نيكاراغوا، والتي قوبلت برفض أميركي وغربي، وبالعبارات المعتادة أنها انتخابات غير نزيهة، في الوقت الذي تجتمع فيه دول غربية لاتخاذ قرارات بشأن الانتخابات في ليبيا، بعد أن أظهرت الانتخابات العراقية الكارثة التي سبّبها الاحتلال الأميركي للعراق، والمتمثلة في الدستور الطائفي الذي يهدف إلى تمزيق الشعب الواحد وأسلوب الحكم الذي يمنع منعاً باتاً الوحدة الوطنية ويحوّل العراقيين إلى طوائف وأحزاب تقف دونهم ودون وحدة صفهم عوائق تمّ وضعها في المجتمع، والحكم بخبث ودهاء بالغين.

والسؤال هو: هل يمكن أن تكون الدول المسؤولة عن قصف ليبيا وإدخالها في نفق التفتت هي التي تبحث في الخلاص الليبي ومستقبل الشعب الليبي، وهي التي برهنت تاريخياً أن هدفها الأساس هو وضع اليد على النفط الليبي وخيرات ليبيا؟ قد يكون هذا هو الهدف الأهم من هذا التفاوض، ألا وهو تقاسم المصالح والثروات في ليبيا، بحيث تعكس نتائج الانتخابات المقبلة هذه المصالح بدقة ولا تحيد عنها.

لقد برهن تاريخ الدول الغربية مرات عديدة على أنهم لا يروننا كشعوب أبداً أو كبشر مساوين لهم  في الإنسانية، ولكنهم يرون جغرافية بلداننا وثرواتها الظاهرة والكامنة، ويضعون المخططات لتفتيت صفوفنا ونهب ثرواتنا لمصلحة بلدانهم، وهذا هو مسار بناء الإمبراطوريات الغربية منذ قرون، وقد استخدموا من أجل ذلك سرديات لا علاقة لها بنيّاتهم، سرديات تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق اللاجئين والمهجّرين وإلى ما هنالك؛ إذ كلما أصابوا بلداً بسهامهم وتسبّبوا في ضنك العيش لأهله ظلماً وعدواناً، أظهروا على شاشاتهم "نفاقاً" قيمهم الإنسانية في استقبال اللاجئين، والمبالغ الطائلة التي يدفعونها من دون مقابل لاستضافة هؤلاء، من دون المرور على أي من الأسباب الحقيقية التي هي من صنع أيديهم، والتي حوّلت حضارات مستقرة منذ آلاف السنين إلى لاجئين، ولا يقرنون بين إجراءاتهم القسرية المناقضة لكل القوانين والشرعية الدولية وبين موجات الهجرة التي تصل إلى بلدانهم هرباً من نتائج إجراءاتهم الظالمة.

لقد كان سكان بلاد الشام ووادي الرافدين من أكثر الحضارات استقراراً وبناءً وتطوراً وازدهاراً، إلى أن فرض الاحتلال العثماني أساليب احتلاله البغيضة على السكان، تلك الأساليب التي نشرت الفقر والجوع والاستبداد والجهل؛ فبدأت الهجرات في القرن الثامن عشر والتاسع عشر هرباً من جرائمه وفتكه بالأبرياء، وفي القرن العشرين بدأت الهجرة من فلسطين هرباً من مجازر العصابات الصهيونية. واليوم نشاهد اللاجئين والمهجرين من الدول التي تُنفّذ فيها مخططات ما سمّوه ربيعاً عربياً، وهو وصفة كاملة لدبّ الفتن والانقسام والفرقة بين أبناء البلد الواحد، وزعزعة أسس الدولة والمؤسسات تحت ستار الجهاد الطائفي. ومع ذلك، فإن الغرب لا ينبس ببنت شفة وهو يشاهد مثلاً الحشود الإردوغانية المعتدية تدخل إلى أراض احتلتها في الشمال السوري وتهدد بعمليات عسكرية، كما أنه لا ينبس ببنت شفة وهو يرى الأسرى الفلسطينيين يعانون من أساليب الاحتلال الصهيوني الوحشية ويموتون على مرأى ومسمع من العالم ظلماً وعدواناً.

ولكن هذا الغرب ينظّف وجه ديمقراطيته من خلال انتقاد ما يجري في السودان مثلاً، بعد أن اكتمل التواطؤ على مدى عقود لتفتيت السودان ونهب خيراته والتحكم في موارده الغنية، ما ظهر منها وما بطن. ولكن عملية التنظيف هذه، سواء بادعاء الحرص على الانتخابات الليبية المقبلة أم على ديمقراطية العراق أم السودان، لم تعد خافية على أحد، فقد كُشفت الأوراق، وفهم العالم برمته ماذا يجري ولماذا يجري، وماهي الأهداف الحقيقية، وماهي السرديات التي صُمِّمت خصيصاً للتغطية على هذه الأهداف.

يترافق هذا الانكشاف طبعاً مع وهن حقيقي في المنظومة الغربية القائمة على نهب ثروات الآخرين، وعلى التسويق لحقوق الإنسان وادّعاء الحرص عليها، بينما تبرهن سياساتهم على أنه ليس للإنسان قيمة أبداً في حساباتهم. ولم تعد هذه السرديات، مهما كانت مبتكرة ومهما أضافوا إليها من نتائج اختلاقاتهم، قادرة على أن تغطي الحقائق التي أصبحت ساطعة اليوم في عقول الشعوب المستنيرة وقلوبها.

من هنا فإن نجاح المناضل السانديني دانيال أورتيغا في الانتخابات بشكل كاسح ومحسوم، رغم كل محاولات كبحه ومنعه من ذلك، هو مؤشر أيضاً لدول أميركا اللاتينية ودول العالم على أن الروايات المضلّلة لم تعد قادرة على حجب الحقائق عن أعين الناس وأذهانهم، وأن هذه الحقائق هي التي تصنع المستقبل، ومهما حاولوا تأخير هذا المستقبل فإنه قادمٌ حكماً وليس ببعيد.

ليس من المأمول أبداً أن يغيّر الغرب توجهاته وأساليبه، لأنها الأسس التي بُني عليها، ولن يكون موجوداً من دونها، ولكنّ المأمول هو تعزيز هذا التوجه لدى الشعوب المستضعفة، وتراكم ثقتها بنفسها يوماً بعد يوم، والاستفادة من تجاربها عبر القارات والبحار، والتوصل إلى اليقين بأنها الوحيدة القادرة على حكم نفسها وضمان حقوقها وصون كرامتها وصناعة مستقبلها، يساعدها في ذلك بروز الصين كقوة عظمى تؤمن بالأخوّة الإنسانية وبالمساواة بين كرامات الدول، صغيرها وكبيرها، وبالعمل المشترك من أجل حياة أفضل للبشرية جمعاء.