حديث إردوغان عن القواعد الأميركية في اليونان يحمل في طياته قلقاً من احتمالات تطور التوتر مع واشنطن. 

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الخميس في أنقرة مع صديقه المقرَّب، رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي يقول إنه من أصول عثمانية، تطرَّق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى موضوع القاعدة التي تبنيها أميركا قرب مدينة ألكسندرا بولي اليونانية، على بعد 45 كم من الحدود مع تركيا، وقال إن هناك قواعد أميركية "ليس فقط في ألكسندرا بولي، بل في عدد من مناطق اليونان، إلى درجة أن اليونان برمتها تحوَّلت إلى قاعدة أميركية. وأنا لا أستطيع أن أُحصي لكم عدد هذه القواعد، وبحثت في هذا الموضوع مع الرئيس بايدن، لكنه تهرّب من الردّ، حاله حال وزيري الدفاع والخارجية، ومواقفهم جميعاً غير أخلاقية. قلنا لهم إن اليونان ليست جارة جيدة بالنسبة إليهم، كما أن تصرُّفاتها في بحر إيجه، كما هي الحال في موضوع القواعد، ليست صائبة، لأن تركيا واليونان وأميركا أعضاء في الحلف الأطلسي، كما أن تركيا تُعَدّ الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة، من حيث المساهمة المالية والقوة العسكرية في الحلف". 

أقوال الرئيس إردوغان، الذي استهدف الجارة اليونان وهاجم أميركا، جاءت في إطار الفتور والتوتر اللَّذين يخيّمان على العلاقات بواشنطن نتيجة عدة أسباب، كانت آخرَها القمةُ الديمقراطية التي ستنعقد في أميركا في التاسع من الشهر المقبل، ودعا بايدن إليها زعماء مئة دولة، لكن إردوغان ليس بينهم.

حديث إردوغان عن القواعد الأميركية في اليونان يحمل في طياته أيضاً القلق التركي من احتمالات تطور التوتر مع واشنطن، التي لم تَعُدْ تُخفي قلقها من مقولات الرئيس إردوغان ومواقفه وتصرفاته، والتي ترى فيها العواصم الغربية طابعاً استفزازياً وعدائياً يذكِّرها بصفحات "التاريخ العثماني الأسود" بالنسبة إلى عدد من شعوبها.

يصادف ذلك كلّه أحاديث الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية منذ فترة بشأن خطط ومشاريع أميركية من أجل إغلاق قواعدها في تركيا، وعددها 15 قاعدة، وفيها نحو 50 قنبلة نووية. وكان عدد هذه القواعد في أواسط الستينيات من القرن الماضي أكثر من مئة قاعدة ومحطة، تتنصَّت وتتجسَّس على الاتحاد السوفياتي وكل من سوريا والعراق. 

وتتخوَّف أنقرة، التي سمحت في بدايات "الربيع العربي" لواشنطن بإنشاء قاعدة كوراجيك شرقيّ البلاد من أجل التجسّس على كل الفعّاليات العسكرية الإيرانية بهدف حماية "إسرائيل" من الصواريخ الإيرانية، من أن ينقل الأميركيون قواعدهم من تركيا إلى اليونان وجورجيا وأذربيجان ودول الخليج. ويعتقد الأتراك أن إغلاق القواعد الأميركية ونقلَها إلى اليونان، وفيها ستّ قواعد بحرية وبرية وجوية، سيشكّلان خطراً على أمنها القومي في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه، بل حتى غربيّ البحر الأسود، حيث القواعد الأميركية في بلغاريا ورومانيا أيضاً. ترافق كل ذلك مع استمرار التوتر بين أنقرة وكل من أثينا ونيقوسيا، بسبب الاتفاقية التركية – الليبية، والتي وُقّعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وتم بموجبها ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. وردّت أثينا على هذه الاتفاقية باتفاقيات مماثلة وقّعت عليها مع القاهرة وروما، في وقت  وقّعت كلٌّ من القاهرة و"تل أبيب" على عدد من اتفاقيات التعاون مع أثينا ونيقوسيا (الشطر الجنوبي المعترف به دولياً)، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، واعتبرتها أنقرة عملاً عدائياً يستهدفها بصورة خاصة. فردّ الأتراك على ذلك بإرسال سفنهم إلى جوار قبرص للبحث والتنقيب عن الغاز والبترول، وهو ما أثار ردود فعل عنيفة من جانب الاتحاد الأوروبي، الذي تبنّى موقف اليونان وقبرص، العضوين في الاتحاد، ووقفت واشنطن إلى جانبه في هذا الموضوع، كما أرسلت فرنسا سفنها الحربية إلى الشطر الجنوبي من الجزيرة. 

العلاقات اليونانية – التركية، والتي لها ما يكفيها من الأسباب لتبقى فاترة ومتوترة، يبدو أنها ستكون في أولويات الاهتمام، أوروبياً وأميركياً، خلال أيّ مفاوضات مستقبلية مع تركيا، وريثة الدولة العثمانية التي حكمت اليونان نحو 450 عاماً (1361-1832). وكانت هذه السنوات، وما زالت، سبباً كافياً في العداء التاريخي والتقليدي بين الطرفين، ما دام إردوغان وأتباعه يتغنّون بفتح إسطنبول (1453)، وما زال اليونانيون يُسمّونها القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية، وهي استمرار للحضارة الإغريقية التي يتغنّى بها معظم المثقفون في الغرب.

لم يكن انضمام العدوّين التقليديَّين، اليونان (1949) وتركيا (1952)، إلى الحلف الأطلسي، كافياً لإنهاء الخلافات بين البلدين، وما زالا في حالة حرب غير معلَنة بسبب الخلافات المستمرة بشأن حدود المجالات الجوية والمياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، في بحر إيجه وجنوبي غربي البحر الأبيض المتوسط. والسبب في ذلك هو قرب الجُزر اليونانية من الشواطئ التركية، وخصوصاً مضيق الدردنيل الاستراتيجي. وتمرّ منه كل السفن المدنية والعسكرية، وهي في طريقها إلى البحر الأسود، مروراً بمضيق البوسفور. ولا تتجاوز المسافة بين الجُزر اليونانية والشواطئ التركية أحياناً ثلاثة أميال، وهو أمر شجّع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين وغيرهم على اللجوء إليها عبر بحر إيجه. وتتَّهم أثينا وعواصمُ الاتحاد الأوروبي أنقرة بالعمل على استخدام هؤلاء اللاجئين ورقةً في مساوماتها الدولَ الأوروبية، وتهديداتها لها. وهذا ما كرّره الرئيس إردوغان، الخميس الماضي، عندما اتَّهم اليونان بعرقلة وصول اللاجئين إلى جُزرها، وقال "إن رئيس الوزراء ميتجوتاكيس يكذب في موضوع اللاجئين، وإنني أتساءل، يا تُرى، ماذا ستفعل اليونان إذا فتحنا حدودنا معها أمام الملايين من اللاجئين".

"عملية السلام"، كما يسمّيها الأتراك، والتي سيطر الجيش التركي خلالها على 36 % من مساحة قبرص في تموز/يوليو 1974، هي أيضاً من أهم عناصر الخلاف والفتور والتوتر في العلاقة بين الجارتين، تركيا واليونان، بعد أن فشلت واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في حلّ المشكلة القبرصية. ويبدو واضحاً أن الرئيس إردوغان لا ولن يتخلّى عنها بغياب جدية المواقف الأوروبية والأميركية، بحيث سبق للرئيس بايدن، عندما كان نائباً للرئيس، أن زار شطري العاصمة نيقوسيا عام 2014، والتقى قيادات القبارصة الأتراك واليونانيين، من دون أن يساهم ذلك في تحقيق المصالحة بين الطرفين. ويفسّر ذلك ما كتبه الوزير كيسنجر في مذكِّراته، عندما قال "إننا كنا نعلم مسبّقا بالتدخُّل التركي في الجزيرة في تموز/يوليو 1974، لكننا تجاهلنا ذلك لأننا أردنا أن نستفيد من الخلاف بين تركيا واليونان، لسنوات طويلة". 

وهذا ما تحقَّق لكيسنجر بعد أن تهرَّبت واشنطن من الضغط على الحليفين، تركيا واليونان، من أجل إجبارهما على حلّ المشكلة القبرصية طوال الأعوام الـ 47 الماضية، في الوقت الذي فتح الاتحاد الأوروبي أبوابه لليونان وقبرص، التي يمثّلها القبارصة اليونانيون، مع انتظار تركيا عند أبوابه منذ أكثر من خمسين عاماً.

ومن دون أن نتجاهل أهمية الجزيرة بالنسبة إلى "إسرائيل" والمشروع الصهيوني الذي كان له أطماع كبيرة في قبرص، واشترى اليهود فيها (جنوباً وشمالاً) خلال السنوات القليلة الماضية مساحات واسعة من الأراضي، باعتبار أنها بوابة اليهود الوحيدة للخروج من فلسطين عندما يزحف الملايين من العرب والمسلمين صوب القدس المحتلة، بحسب الرؤية الصهيونية العقائدية!

ولن يحميهم حينها من الفناء إلاّ اللجوء إلى الجزيرة بحراً، وتحت حماية القواعد البحرية والجوية لبريطانيا، صانعة الكيان العبري. وكانت أميركا معها منذ البداية، فهي التي تكتب السيناريو، وتوزّع الأدوار على عملائها في المنطقة!

الميادين