وسام إسماعيل 
المصدر: الميادين نت
 
إذا كانت البراغماتية في العلاقات الدولية قد بقيت السمة المميزة للسياسة التركية في فترة حكم الرئيس إردوغان، فإنَّ الغاية منها تحوّلت، بفعل طموحاته، إلى ما يمكن تصنيفه على أنه انقطاع عن المرحلة السابقة.

يمكن القول إنَّ العام 2014 الذي شهد انتخاب رجب طيب إردوغان رئيساً لتركيا وحزب "العدالة والتنمية" أحدث انقطاعاً مع المبدأ الذي حكم السياسة التركية منذ العام 2009، والذي كان رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو قد أعلنه تحت مسمّى "صفر مشاكل". 

وبالعودة إلى المقاربة التي حكمت السياسة التركية في ظل إدارة رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، يمكن الملاحظة بوضوح أنّ الدولة التركية رسمت الخطوط العريضة لعلاقاتها الدولية والإقليمية، وفق ما يمكن وصفه بمبادئ وعناوين عالمية، كالديمقراطية والعلمانية والحقوق الاجتماعية. 

وإذا تعمَّقنا في المفاهيم التي كانت من المسلمات لدى قيادة أحمد داوود أوغلو، فإن المرتكزات الأساسية لعلاقاتها الإقليمية كانت تهدف إلى خلق جو من السلام والاستقرار، إضافة إلى العمل على رفع مستوى التكامل مع دول الجوار، انطلاقاً من قناعة تركية مفادها أنَّ الثقة بتركيا هي القاسم المشترك لدى هذه الدول.

ولكن القيادة الطموحة للرئيس إردوغان، وإصراره على التخلّص من الإرث الثقيل لمعاهدتي "سيفر" للعام 1920 و"لوزان" للعام 1923، إضافةً إلى تبنيه إطاراً مختلفاً لنظرية المجال الحيوي التي رسمت سابقاً الإطار العام لسياسة أحمد داوود أوغلو، أسّست كلّها لانعطافة حادة في علاقات تركيا الخارجية، ودفعتها إلى الارتباط المصيري ببعض المشاريع، بحيث إنَّ فشلها قد ينعكس بحدّة على موقع تركيا ودورها في الإقليم.

وفي الحديث عن الاختلاف الذي أمكن لمسه في مقارنة رؤيتي الرئيس الحالي إردوغان ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، يمكن الإشارة إلى أنَّ الجاذبية التي تميزت بها رؤية داوود أوغلو، وإيمانه بفاعلية القوة الناعمة والنفوذ الثقافي والتاريخي، معطوفين على الموقع الجيوساسي الذي تتمتع به تركيا، كلها عوامل قد تكفل تحقيق الطموحات التركية، من دون الحاجة إلى ما يمكن أن يسبب أي مشاكل مع دول الجوار. 

وانطلاقاً مما تقدم، أمكن لمس الدينامية التي حكمت السياسات التركية قبل العام 2014، إذ إن البراغماتية التركية والقدرة على تدوير الزوايا وعدم الوقوع في فخ التناقضات التي سببها الدور التركي في المرحلة العثمانية، قد تكون فاعلة في عملية إعادة تركيا إلى دورها المحوري الذي همشته توازنات الحرب الباردة. 

وإذا كانت البراغماتية في العلاقات الدولية قد بقيت السمة المميزة للسياسة التركية في فترة حكم الرئيس إردوغان، فإنَّ الغاية منها تحوّلت، بفعل طموحاته، إلى ما يمكن تصنيفه على أنه انقطاع عن المرحلة السابقة، فالسياسات التركية التي كانت محكومة لـ"صفر مشاكل" وتفضيل أساليب ناعمة في إدارة الملفات الخارجية، تحولت إلى سياسة تفاعلية تدخلية تعتمد على أساليب خشنة في مقاربة ما يفترض أن يعتبره الرئيس التركي مصلحة تركية، وبما أمكن توصيفه لدى الكثير من المحللين بسياسة "صفر أصدقاء". 

إن إدارة ملف الأزمة في سوريا، واحتلال جزء من أراضيها تحت عنوان "المنطقة الآمنة"، وتخطي العمليات العسكرية في الأراضي العراقية حدود ما نصَّت عليه اتفاقية 2008، وإعلان وزير الداخلية سليمان صويلو إنشاء قاعدة عسكرية تركية في منطقة ميتينا شمال العراق، إضافةً إلى الدور التركي في ليبيا والصومال، والدعم العسكري والسياسي للقوات العسكرية الأذربيجانية التي استعادت إقليم ناغورنو كاراباخ من أرمينيا، تدلّ في كلّيتها على أن الرئيس التركي فضّل استبدال سياسة "صفر مشاكل" وتمتين التعاون وسبل التكامل الإقليمي بما يمكن وصفه بمشروع "العثمانية الجديدة"، عبر التخلّص من القيود التي كرستها توازنات النظام الدولي الذي ساد في القرن الماضي.

وإذا كان الكثير من المحلّلين قد أجمعوا على أنَّ السياسات الشعبوية للرئيس التركي ونجاحه مرات كثيرة في تظهير صورته كرئيس مقتدر ومدافع عن مصالح القومية التركية، كيوم هدد بالاعتراف بالمجازر التي ارتكبت بحق السكان الأميركيين الأصليين رداً على اعتراف الرئيس بايدن بالمذابح الأرمنية، فإنَّ واقع التفاعل السياسي الداخلي والعلاقات التركية الإقليمية تبدد هذه الفرضية، فالتجاذبات السياسية والانتخابية التي تسيطر على الساحة التركية تؤكد عمق الانقسام السياسي، إذ إنَّ المعارضة المتحالفة ضده تؤكد أن النظام الرئاسي هدم أسس الديمقراطية ومهَّد لهيمنة الرئيس على الحكم من أجل إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، في حين أنَّ نسبة التضخم العالية التي تعانيها الليرة تركية تعود، بحسب الكثير من الخبراء، إلى عدم استقلالية المصرف المركزي التركي وخضوعه لإرادة الرئيس إردوغان، إضافةً إلى رضوخه للضغوط الأوروبية وسحبه سفن التنقيب الخاصة به من مياهه الإقليمية في المتوسط.

أما على مستوى المستجدات الإقليميّة، فقد اصطدم الرئيس التركي بعقلية جديدة تحكم البيت الأبيض، إذ إنَّ التوافق الضمني في السلوك والخطاب بين الرئيس التركي والرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لم ينسحب قبولاً لدى جو بايدن، فالقراءة الأميركية الحالية لواقع التجاذبات في المنطقة تفترض ضرورة تهدئة الجبهات والتوافق مع الدولة الروسية وفق نظرية "رابح رابح". 

وإذا عطفنا القرار الأميركي بالتفاوض مع الجمهورية الإسلامية على السلوك الخليجي المقتنع بضرورة العودة إلى سوريا، وما يعنيه هذا الأمر من تغيير على مستوى الآلية التي ستحكم عملية إعادة رسم خارطة النفوذ في الإقليم، فإنَّ السياسة الخارجية التركية ستصطدم بمعارضة إقليمية ودولية تضعها في خانة استحالة التطبيق. 

بناءً عليه، وجدت الإدارة التركية نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أوراق سياساتها الخارجية وضرورة مراجعة الأسس التي حكمت هذه السياسة منذ العام 2014، فالتهدئة الإقليمية والانفتاح العربي على سوريا سينفيان الحاجة التركية إلى "منطقة آمنة" شمال سوريا، كما أنَّ ورقة اللجوء السوري ستتحوَّل حينها من ورقة ضغط إلى عبء على الأمن والاقتصاد التركي. 

كما أنَّ الجانب الروسي، الذي يمكن تصنيفه على أنه الرابح الأول من هذه التهدئة، لن يقبل بدور تركي مزعزع على مستوى الوجود في سوريا أو النفوذ في دول البلقان ودول الجوار الروسي، ومن الممكن أن تؤدي الصورة الرمزية التي ظهرت في وسائل الإعلام منذ أيام قليلة، حين تسلّم الرئيس إردوغان هدية متمثلة بخريطة للعالم التركي، تشمل أجزاء من أراضٍ روسية، إلى تشدد روسي وإقليمي رافض لأيِّ طموح تركي توسعي.

وفي هذا السياق، يمكن التأكيد أنَّ الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي أحمد جاويش أوغلو إلى بيروت في الأيام القليلة الماضية، لم تكن تعبيراً عن نية الدولة التركية بالوقوف إلى جانب الدولة اللبنانية في أزمتها المتعلقة بالقطيعة الخليجية للبنان بالدرجة الأولى، بل جاءت منسجمة أكثر مع الأجندة التركية، إذ إن وزير الخارجية لم يحمل أي فكرة أو مبادرة لحل الأزمة مع الدول الخليجية، إنما ركّز أكثر على موضوع عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، ضمن مواضيع أخرى تتعلق بالعلاقات الاقتصادية. 

وإذا عدنا إلى التصريحات التي صدرت عن الإدارة التركية بشخص رئيسها ووزير خارجيتها، فسنلمس جدية القرار التركي بالعودة إلى "صفر أزمات" أو "صفر مشاكل"، عبر محاولة إعادة تطبيع العلاقات مع الدول الخليجية ومصر، ومحاولة الوصول إلى حل وسطي يضمن المصالح التركية في دول الجوار وشرق المتوسط. 

وبناء عليه، يظهر واضحاً أنَّ المغامرة التركية لرسم مجال حيوي أو عمق استراتيجي، وفق الرؤية التي سادت منذ العام 2014، ستشهد نهايتها عبر إعلان فشلها ومحاولة العودة إلى خيار "صفر مشاكل وصفر أزمات"، إذ إنه الخيار الوحيد المتبقي لدى الرئيس التركي، والذي قد يساعده على التكيّف مع الظروف الإقليمية والدولية المستجدة، ومحاولة لملمة أوراقه الداخلية المبعثرة قبل الانتخابات الرئاسية في العام المقبل.