زياد غصن 


 
ظل التطبيع أو مجرد "سلام منفرد" مع الكيان الصهيوني طيلة سنوات الأزمة بمنزلة "رجس من عمل الشيطان" يتجنّب السوريون مجرد الدخول في نقاشات حوله

فيما كانت تركيا منهمكة بترتيب إطلاق مفاوضات سلام غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب قبل نهاية العقد الأول الماضي، كان كاتب سوري معروف يعلن صراحة، وعبر صحيفة رسمية، أن السوريين ليسوا جميعاً يؤيّدون إبرام "اتفاق سلام" مع "إسرائيل"، تماماً كما هو موقف شريحة من الإسرائيليين الرافضين للسلام مع العرب، لكن مع تباين مشروعية كلا الموقفين ومبرّراتهما.

في واقع الحال، لم يكن السوريون، على اختلاف مواقفهم من السلطة، ينبذون التطبيع مع "إسرائيل" فقط، بل كان جزء كبير منهم يعارضون مجرد توقيع "اتفاق سلام" معها، وهذه كانت نتيجة طبيعية لعاملَين مؤثرَين رسّختهما عقود من الزمن؛ الأول شعبي يعتبر القضية الفلسطينية جزءاً محورياً من قضيته الوطنية العادلة، والثاني خطاب رسمي رافض للتنازل عن الحقوق العربية بكل جزئياتها وقِدمها الزمني.

هذا ما جعل الرفض السوري للاتفاقيات الثنائية، التي جرت بين بعض الدول العربية و"إسرائيل" في سبعينيات القرن الماضي وتسعينياته، مصدره أولاً الأوساط والفعاليات الشعبية، وقبل صدور أي بيانات أو مواقف رسمية.

الخلاص مقابل التطبيع!
لكن مع دخول البلاد في أزمتها "المدمّرة" منذ مطلع العقد الثاني في هذا القرن، زادت الضغوط على الرأي العام السوري لتغيير اقتناعه من مسألة التطبيع مع "إسرائيل"، وذلك عبر محاولة ترسيخ الوجود الإسرائيلي كأمر واقع في المنطقة لا بد من التعامل معه، واعتبار التطبيع معه مخرجاً من كل المشاكل التي تواجهها البلاد. فكانت البداية مع حملات إعلامية مشبوهة تمهّد لمستقبل العلاقة مع الكيان الصهيوني، ولا سيما الرسائل التي وجّهها بعض رموز "المعارضة" حول رغبتهم في إبرام "اتفاق سلام" يؤدي إلى تطبيع كامل وقطع علاقات سوريا مع كل من إيران وحزب الله، ثم زيارة بعضهم لـ"تل أبيب" وإجراء لقاءات مباشرة مع شخصيات إسرائيلية، فالدعم الإسرائيلي للمجموعات المسلحة بمختلف أشكاله، بما في ذلك استقبال مُصابي تلك المجموعات في مستشفيات الأراضي العربية المحتلة، وصولاً إلى الاعتداءات الصاروخية المتكررة على منشآت وأهداف سورية بذريعة مواجهة الوجود الإيراني، ومنع نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله. وهي اعتداءات وصل عددها، بحسب الدكتور جمال المحمود أستاذ العلوم السياسية في جامعة دمشق، إلى نحو 30 اعتداءً منذ بداية العام الحالي لغاية الـ17 من تشرين الثاني منه، وجميعها اعتداءات مبرمجة ومتفق عليها بين واشنطن وتل أبيب، بدليل استهداف موقعين في البادية السورية عبر منطقة التنف، التي لا تزال تحتلها قوات أميركية.

ومع ذلك، ظل التطبيع أو مجرد "سلام منفرد" مع الكيان الصهيوني طيلة سنوات الأزمة بمنزلة "رجس من عمل الشيطان" يتجنّب السوريون مجرد الدخول في نقاشات حوله، إلى أن اشتدت مفاعيل الحصار الاقتصادي الغربي على البلاد منذ مطلع العام 2019، ووصلت مع بدء تطبيق الإدارة الأميركية لقانون ما سُمّي "قيصر"، إلى درجة محاولة "الخنق الاقتصادي" منذ منتصف العام 2020، حيث بدأ الترويج المشبوه لطروحات دخيلة على المجتمع السوري، ظاهرها عبارة عن ترجمة لرغبة السوريين بالخلاص من الواقع الاقتصادي الصعب، وجوهرها العمل على تغيير تدريجي في الصورة الذهنية المتشكلة لدى المجتمع السوري حيال الموقف من مسألة التطبيع، وتالياً كسر ذلك الجدار النفسي الممتد تاريخياً، و"العازل" لقبول محتل وقاتل، ولا سيما أن الإدارة الأميركية السابقة كانت تستعد لإعلان مشروع "صفقة القرن"، الذي كان يتطلب تصفية الكثير من خصومه على المستوى الرسمي والشعبي.

وفي هذا السياق، تشير الدكتورة إنصاف حمد، أستاذة علم الاجتماع في جامعة دمشق، إلى أنه "يمكن للمرء أن يلاحظ تزايد النقاش في السنتين الأخيرتين حول مسألة التطبيع مع الكيان المحتل، خصوصاً مع اشتداد وطأة الظروف الاقتصادية الضاغطة، والتي أخذت تطحن بقسوة فئة كبيرة من السوريين حتى باتوا عاجزين تقريباً عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. هذا النقاش الذي تغذيه طروحات تأتي من الخارج ومن انسياق لبعض العرب من أجل التطبيع مع المحتل. ولكن في الحالة السورية، وإن بدأ هذا النقاش يأخذ شكل قبول فكرة التطبيع مع الإسرائيلي، إلا أنه لا يحيد عن الشروط السورية المعلنة تاريخياً، بربط "السلام" مع الكيان المحتل بإعادة الجولان كاملاً واستعادة الفلسطينيين حقوقهم الوطنية بالكامل، ومن الصعب أن تجد سورياً يقبل بالتخلي عن ذلك". وتضيف في حديثها إلى "الميادين نت" أنه يمكن ردّ ذلك "إلى الربط السببي الذي يقيمه السوريون بين ما تعرّضت له بلادهم، وما تتعرض له من حرب وحصار وتجويع، إنما هو بسبب موقفها من الكيان المحتل، ومن ثم فإن عقد اتفاق سلام معه يمكن أن يفكّ حبل الخنق الاقتصادي، لا بل يمكن أن يعيد إلينا الجزيرة وإدلب".

ومع ذلك عملياً، لم تكن الوظيفة المباشرة للحصار الاقتصادي الغربي على البلاد أكثر من ذلك في تكرار لنموذج السودان، إذ إن تقليب الشارع الشعبي على قيمه ومبادئه وخياراته السياسية، ليس بتلك السهولة، وكثيراً ما احتاج ذلك إلى شن حروب وتحريك أساطيل، فكيف إذا كانت المهمة تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد: تحريض السوريين على دولتهم المنتصرة عسكرياً، وفكّ الارتباط المعنوي والعسكري مع دول حليفة لمصلحة التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، وترويج ثقافة التطبيع مع محتل يريد الاحتفاظ بما سرقه ونهبه. لذلك، لم يكن هناك أفضل من سلاح "التجويع"، وذلك عملاً بالقول الشهير: الجوع كافر. لكن ما نجح في السودان لم- ولن- ينجح في سوريا. 

يرى الدكتور جمال المحمود أنه "على الرغم من صعوبة الظروف الاقتصادية والمعيشية، إلا أن طرح التطبيع يبدو ساذجاً لاعتبارات عدة، أبرزها اختلاف الحالة السورية عن غيرها من الدول العربية التي سارت في ركب التطبيع، فهي أولاً دولة مواجهة مع العدو الإسرائيلي ولديها أراضٍ محتلة، وثانياً هي تعتبر فلسطين الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية. كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليس لديهما حتى الآن رغبة حقيقية بوقف حربهما على الدولة السورية". وعلى هذا فإن الدكتورة حمد تعتقد أن "التطبيع بعيد جداً جداً، فمن الصعوبة بمكان تصوّر قيام علاقات طبيعية مع محتل سلب منا أرضنا وشرّد شعبنا، وحتى لو أعاد الأرض، فمَن سيعيد لنا شهداءنا، خيراتنا، معاناتنا، آلام نازحينا، وسنوات عمرنا التي سرقها انشغالنا بهذه القضية، وجعلها على رأس أولوياتنا، وتكريس مواردنا لها. ومن سيعيد لنا أمننا وأماننا ومؤشراتنا التنموية ومواردنا البشرية، التي أهدرتها عشرية سوداء، كان للكيان الغاصب وحلفائه دور أساس فيه ".

السقوط الأكيد!
لم تصمد محاولات تغيير الوعي الجمعي السوري تجاه العلاقة مع المحتل الإسرائيلي أمام أول امتحانين مصيريين؛ الأول إعلان إدارة الرئيس ترامب عن مشروع صفقة القرن، بما مثّله ذلك من بوابة عبور للتطبيع المجاني لبعض الدول العربية مع العدو الإسرائيلي، وتنازل علني عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. والامتحان الثاني كان مع عمليات المقاومة الفلسطينية التي حملت اسم "سيف القدس"، وجاءت رداً على الاعتداءات الصهيونية بحق سكان حي الشيخ جراح في مدينة القدس. حيث أعادت مجريات العملية تأجيج المشاعر الشعبية للسوريين الرافضة للتطبيع، والداعمة لفصائل المقاومة الفلسطينية، حتى تلك التي اتُّهمت يوماً بالتنكّر لما قدمته سوريا لها عبر تاريخها من دعم سياسي، ومالي، وعسكري.

المصدر: الميادين نت